ملتقي اهل اللغه (صفحة 8731)

ثُم تدبَّر هذه الكلمة الحكيمةَ قال: "لا يَعلم الإنسانُ خَطأ مُعلِّمه حتَّى يُجالِسَ غيرَه".

الطبقة الرابعة

لفَّ هذه الطبقةَ كلَّها تحت جناحَيْه "النَّسرُ النَّحْويُّ" سيبويه، شيخُ النُّحاة في عصره وما بعدَ عصرِه، والبحر الذي أمدَّ عُلوم العربيَّة حتَّى زخرَتْ وتَلاطمَت، قال الجاحظُ: "لَم يكتُب النَّاسُ في النَّحو كتابًا مثله، وجميعُ كتب النَّاس في النَّحو عِيالٌ عليه".

كان أوَّل أمرِ سيبويه في طلب العلم أنَّه كان يطلُب علم الآثار والفقه، ولَم تكنْ له عنايةٌ بالنَّحو، ولعلَّ ذلك كان وسنُّه إذْ ذاك ما بين العشرين إلى الثَّلاثين، وكان يطلب الحديث من حَمَّاد بن سلمة بن دِينار البصريِّ المُحدِّث الفقيه النَّحوي، فقال حمادٌ: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مِنْ أحدٍ من أصحابي إلاَّ مَن لو شِئتُ لأخذتُ عليه عيبًا [10]، ليس أبا الدَّرداء))، فقال سيبويه: ((ليس أبو الدَّرداء))، فقال له حَمَّاد: "لحنْتَ يا سيبويه؛ ليس أبا الدرداء"، فقال: "لا جرم، لأطلُبَنَّ علمًا لا تُلحِّنني فيه أبدًا"، فطلبَ النَّحو، ولزم الخليلَ بن أحمد.

وكانت في لسان سيبويه لكنةٌ؛ وذلك لأنَّ أصله من البيضاء بأرض فارس، ونشأ بالبصرة، ولَم يُعمَّر أكثر من أربعين، وانتقل في آخِر أيَّامه إلى الكوفة؛ لِمُناظرة الكسائيِّ - وأمرُها مشهور - ثم رحَل إلى شيراز، ومات بها سنة 180 تقريبًا، ونقتصرُ على هذا مِن ترجمة هذا الإمام الجليل؛ فقد مضى ذِكرُه في ترجمة الخليل، وليس في الوقت سعَة.

النحو في الكوفة

رأيتَ فيما مضى أنَّ النُّحاة جميعًا إنَّما نَشؤوا بالبصرة، وكَثُروا فيها وكانوا أئمَّة العربية في زمانهم، وما نشأ النَّحوُ في الكوفة وكان مذهبًا ضعيفًا إلاَّ في أيَّام الخليل بن أحمد؛ وذلك لأنَّ البصرة أقدَمُ بناءً من الكوفة، وكان بها من صفوة الناس وأذكيائهم وعُلَمائهم من لَم يكن مثلهم بالكوفة؛ ولذلك تأخَّر ظهورُ علم النَّحو بها مدَّة طويلة.

واعلم أنَّ الخِلاف المشهور بين الكوفيِّين والبصريين لم يُحقَّق بعدُ تحقيقًا وافيًا شافيًا، وليس يمكن أن يُحدَّد في كلمةٍ قصيرة موجزة كهذه؛ فنَكْتفي بالإشارة إلى وجود هذا الخِلاف ونشأته، وننتقل إلى ذِكْر الطَّبقة الأولى والثانية من علماء الكوفة، ونختمُ الكلام بهذا، والله المستعان.

الطبقة الأولى من الكوفيين

شيخُ هذه الطبقة من أهل الكوفة هو "محمد بن الحسن بن أبي سارة" الملقَّب بالرُّؤاسي؛ لعِظَم رأسه، كان في زمن الخليل بن أحمد، وزعموا أنَّه أوَّل مَن وضع من الكوفيِّين كتابًا في النحو، وزعموا أنه قال: "بَعث إلَيَّ الخليل يطلب كتابي، فبعثت به إليه، فقرأه ووضَع كتابه"، وزعموا أنَّ كلَّ ما في كتاب سيبويه من قوله "قال الكوفِيُّ"، فإنَّما يعني به الرؤاسيَّ؛ ولكن ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الرُّؤاسيَّ كان إمامَ أهل الكوفة في النحو، وعلى يديه نشَأ الكسائيُّ والفَرَّاء، شيخَا نُحاةِ الكوفة بعده، ولا شكَّ أيضًا في أنَّ الرؤاسي كان ضعيفًا لا خطر له في النحو، ولولا أنَّ الكسائي والفرَّاء انتسَبا إليه لَمَا عُرِف ولا أُبِهَ به، وستعلم بعدُ أنَّ الكسائي هو الذي جعل للكوفة نَحْوًا امتازت به عن أُختِها البصرة.

الطبقة الثانية:

إمام هذه الطبقة الكسائي، وتَلاه الفرَّاء تلميذُه ورفيقه، والكسائيُّ هو أبو الحسن عليُّ بن حمزةَ بنِ عبدالله بن عثمان من أصلٍ فارسي، وكان ولاؤه في بني أسد، وتعلَّمَ الكسائيُّ النَّحوَ وقد أسَنَّ، وكان أحدَ القرَّاء الذين عُدُّوا بعدُ في القرَّاء السبعة، وأخذ الكسائيُّ النحوَ واللُّغة عن معاذٍ الهراء والرُّؤاسي، ثُم نهضَتْ هِمتُه به إلى الرحلة، فنَزَل البصرة، ولقي الخليلَ بن أحمد، وجلس في حلقته ولَزِمَه مدَّة، ثم سأل الخليلَ من أين أخذ عِلمَه، فقال له: مِن بوادي الحجاز، ونَجْد، وتهامة - وهم أهل الفصاحة والبيان - فخرَج، وأخذ من الإعراب عِلمًا كثيرًا، ثم عاد إلى البصرة ليرى الخليل والنُّحاة بها، فوجَد الخليلَ قد مات - رحمه الله - وجلس مجلسَه يونسُ بن حبيب، فجرَتْ بينهما مسائلُ أقرَّ له يونسُ فيها، وصدَّرَه في موضعه، فكان هذا ابتداءَ ذُيوع أمرِه في النَّحو، ثم رجَع إلى الكوفة، ولقي بها رُفَقاءه، فتتلمَذُوا له.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015