ملتقي اهل اللغه (صفحة 8730)

وُلِد يونسُ سنة تسعين، وأخذ النَّحوَ عن شيوخ الطَّبقة الثانية، فبَرع وتفرَّد بمذاهِبَ في النَّحو والقياسِ، وعقدَ حلقةً بالمسجد الجامع بالبصرة يَنْتابُها أهل العلم والأدَب، وفُصحاءُ الإعرابِ والبادية، وأكثرَ سيبويهِ في كتابه من الرِّواية عن يُونس، وكان مِن عُقَلاء الرِّجال، تَخرَّجَ عليه كثيرٌ من اللُّغويِّين والنُّحاة؛ كالأصمعيِّ، وعليِّ بن حمزة الكسائي، وأبي زكريا الفَرَّاء، وكثيرٌ من أهل العلم في عصر الرشيد، وعُمِّر يونسُ ومات في خلافة هارون الرشيد سنة 183.

(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري

قال النَّضرُ بن شُمَيل: "أقام الخليلُ في خصٍّ بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتَلامِذتُه يَكْسبون بعِلمه الأموالَ"، وهذه حالُه في العلم أيضًا، فلولا الخليلُ لَم يكن سيبويه، فلمَّا كان الخليلُ وكان سيبويه، وأخَذ عِلمَه عنه وحَشَا به كتابه الجليل، طار اسمُ سيبويه في كلِّ مكان، وملأَ الدُّنيا، وانزَوى ذِكْرُ الخليل إلاَّ قليلاً، وأُهْمِلت كتبُه، وضاعَ أكثرُها، وقد كان الخليلُ من نَوابِغ الرجال وأفذاذ العرب، شَهِدَ له مُعاصروه بأنَّه كان آيةً في الذَّكاء، وكانوا يقولون: "لَم يكن في العرب بعدَ الصحابة أذكى منه".

اجتمع الخليلُ وعبدالله بن المقفَّع ليلةً يتحدَّثان إلى الغداة، فلمَّا تفرَّقا قِيل للخليل: كيف رأيتَ ابن المقفَّع؟ فقال: رجلاً عِلمُه أكثرُ مِن عَقله، وقيل لابنِ المقفَّع: كيف رأيتَ الخليل؟ قال: "رأيتُ رجلاً عقله أكثر من عِلمه".

هذا مَع ما شَهِدَ به له الأوائلُ مِن سَعة العلم، والتبحُّر فيه، وليس أدلَّ على نُبوغ الخليل وعبقريَّته وتفرُّده من استِخراجه العَرُوض، وحَصْرِه في خمسة دوائر [7]، استخرجَ منها الخمسةَ عشر بحرًا المعروفة، وكان الخليلُ قد تعلَّم الإيقاع والنَّغم، فمِنهما أحدَثَ عِلمَ العروض بما أُوتِي من صَفاء النَّفْس، وسُرعة الخاطر، ودِقَّة الفهم، وقوَّة الضبط، ولَم يستَطِع أحدٌ إلى يومِ الناس هذا أنْ يَزِيد على ما أتى به الخليلُ بَحرًا واحدًا، إلاَّ الأخفش؛ فإنَّه اهتدى إلى بحرٍ واحد هو الذي يُسمُّونه الخبب.

ولولا ما ضاعَ مِن كتب الخليل، لعرَفْنا كيف نردُّ كتابَ سيبويه إلى الأصل الذي أخَذ عنه من الخليل، ونحن لا نشكُّ في أنَّ أوَّل كتاب وخيره وصَل إلينا من كتب المتقدِّمين في النَّحو هو "كتاب سيبويه"؛ إذْ هو الكتاب الذي وُضِعَ على قواعِدَ معقودةٍ للكتاب كلِّه، وأرجَحُ الرَّأي عندنا أنَّ الذي عقَد النَّحو هذا العقدَ الذي نراه في "الكتاب" ليس هو سيبويه، بل هو الخليلُ بن أحمد الذي عقَد علمَ العروض هذا العَقْد الذي لَم يُنقَض، وقد رأى الخليلُ في سيبويه رجلاً مُحكَم العقل، فاستَصْفاه بعِلْمه وأدَبِه، ومنَحَه وقْتَه وراحتَه، فكان الخليلُ يقول له حين يزورُه: "مرحبًا بزائرٍ لا يُمَلُّ"، قال أبو عمرٍو المخزوميُّ - وكان كثيرَ المُجالسة للخليل -: "ما سمعتُ الخليلَ يقولُها لأحدٍ إلاَّ لسيبويه".

ولا شكَّ أنَّ سيبويه كان في ذلك الوقتِ شابًّا لَم تُنهِكه الأيامُ والمصائب، وكان الخليلُ قد أسنَّ، فأراد أنْ يُلقي علمه إلى مَن يَزْكو عنده ويَنْمو، فألقاه إلى سيبويه، فأخرج منه "الكتاب" [8]، وهذه الكلمةُ لا تَكْفي لتحقيق القول في أمر الخليل وكتاب سيبويه، فنُؤجِّلها إلى أوسعَ مِن هذه وأَبْرَح.

ونحن لا نعلمُ كثيرًا عن مَنشَأ الخليل إلاَّ أنَّه وُلِدَ بالبصرة سنة مائة من الهجرة، وعُمِّر فبلغ أربعًا وسبعين سنةً، والذي يُفهم من تراجم هذا الإمام أنَّه تلقَّى العلم صغيرًا، وانقطع له، وعُنِي به، فلم يُبالِ بغيره، ولَم يَطلب الرِّزق بعِلْمه؛ لِما كان من وَرَعِه، وطولِ صبره على المَكاره، وشدَّة إبائه وتَعفُّفه؛ فكان يَمْتنعُ على الأمراء والحكَّام، ولا يَبْتذِل نفسه بالتردُّد عليهم [9]، فكان ذلك سببًا في انقطاعه للعلم، والتبحُّر فيه، والتوسُّع في فُروعه مدَّةً طويلة من حياته، حتَّى نبغَ وفاق أهل عصره؛ عِلمًا وأدبًا، ووَرعًا وخُلقًا، وصَفَه مَن رآه فقال: "كان الخليلُ رجلاً صالِحًا عاقلاً، حليمًا وَقورًا"، وقال النَّضرُ بن شُمَيل: سمعتُ الخليلَ يقول: "إنِّي لأُغلق عليَّ بابي، فما يُجاوِزُه هَمِّي"، وهذا هو خُلق العلم؛ فتدبَّر هذه الكلمة تَعْرفْ كيف نبَغ الخليلُ وبرَع،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015