ملتقي اهل اللغه (صفحة 8729)

شيوخ هذه الطَّبقة ثلاثة مُبَرَّزون: عبدالله بن أبي إسحاق، وقد مضَتْ ترجمتُه، وأبو عمرِو بنُ العلاء، وعيسى بنُ عمر الثقفي، ونكتفي بالترجمة لِهَذين العلَمَيْن دُون غيرِهِما مِمَّن أخذ النحو، ولَم يُبَرَّز فيه، ولَم يَعْلُ.

(1) أبو عمرو بن العلاء المازني التميمي

اسمه زَبَّانُ بنُ عمَّارِ بنِ عبدالله، من بني مازنِ بن عُمر بن تميم، وُلِدَ بمكَّة سنة 55 أو 58، وسكَن البصرة، وكان رفيق عبدالله بن أبي إسحاق، فتلقَّى النحو والقراءة معه عن يحيى بن يعمر، ونَصْرِ بن عاصم، وعلا كعبُه في القراءة والنحو، وعُدَّ من القُرَّاء السبعة، وكان كثيرَ الرحلة، فاستكثرَ من الشيوخ؛ أخذَ عن شيوخ مكَّة والمدينة، والكوفةِ والبَصْرة، وأعانَهُ على البَراعة فيما سلَك سبيلَه من العلم رحلتُه وذَكاؤه وطول عمره، فإنَّه عُمِّرَ نحوًا من مائة سنةً - مات سنة 154 في خِلافة المنصور - قال يونسُ بن حبيب أبرعُ تلامذتِه: "لو كان أحدٌ ينبغي أن يُؤخذ بقوله في كلِّ شيء، كان ينبغي أنْ يُؤخذ بقول أبي عمرِو بن العلاء كلِّه في العربيَّة، ولكن ليس من أحدٍ إلا وأنت آخِذٌ من قوله وتارِك، إلاَّ النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم".

وقال أبو عبيدة: "أبو عمرٍو أعلَمُ الناس بالقراءات والعربيَّة وأيَّامِ العرب والشِّعر"، وكان مُحدِّثًا ثقةً: وثَّقه يحيى بنُ مَعين وغيرُه، قالوا: "صَدُوق حجَّة في القراءة".

وقال إبراهيم الحربيُّ: "كان أهلُ العربيَّة كلُّهم أصحابَ أهواء، إلاَّ أربعة؛ فإنَّهم كانوا أصحابَ سُنَّة: أبو عمرِو بنُ العلاء، والخليل بن أحمد، ويونسُ بن حبيبٍ البصري، والأصمعي".

قالوا: وكانت دَفاترُ أبي عمرٍو ملءَ بيته إلى السقف، ثم تنسَّك فأحرَقَها، وأخَذ النَّحوَ عن أبي عمرٍو الخليلُ بن أحمد، ويونسُ بن حبيب البصري، وأبو محمد اليزيديُّ، ومعاذُ بن مسلم الهرَّاء، وروى عنه الحروفَ "سيبويه".

(2) عيسى بن عمر الثقفي

هو مولًى من مَوالِي خالد بن الوليد، نزلَ في ثقيفٍ، فنُسِبَ إليهم، وكان أحدَ المُحقِّقين لعلم العربيَّة، اكتسبَ الفَصاحة من ثقيف، ثم نزل البصرةَ، فأخذ النَّحو عن عبدالله بن أبي إسحاق، ولَم نَجِدْه أخذَ النَّحو عن أحدٍ من نُحاة الطَّبَقة الأولى، ولكنَّه برع وبُرِّز في عهد أبي عمرٍو، ومات قبْلَه بخمس سنوات - أيْ: سنة 149 في خِلافة المنصور - وعنه وعن أبي عمرٍو صدرَت الطبقةُ الثالثة من أهل العربيَّة، وذكر المُبَرِّد أنَّ عيسى أخَذ النحو عن أبي عمرِو بن العَلاء أيضًا.

قال ابنُ الأنباريِّ: "كان ثقةً عالِمًا بالعربيَّة والنحوِ والقراءة، وقراءتُه مشهورة".

قال أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلام: "كان من قُرَّاء البصرة، وكان عالِمًا بالنَّحو، غير أنَّه كان له اختيارٌ في القراءة على مذاهب العربيَّة، يُفارق قراءة العامَّة، ويستنكرُه الناس، وكان الغالب عليه حبُّ النصب إذا وجَد لذلك سبيلاً، منه: "حَمَّالةَ الحطب"، "الزانيةَ والزاني"، "والسارقَ والسارقة"، "هنَّ أطهرَ لكم".

أقول: وهذا عجيبٌ من عيسى بن عُمر، ولكنه كان يتَقعَّر في كلامه على فصاحته، فلا عجَب، ونوادرُه في ذلك كثيرة؛ كقوله - لَمَّا ضربه يوسفُ بن عمر بنِ هبيرة في طلب ثِيابٍ استَوْدَعها عنده خالدُ بن عبدالله حين إمارته على العراق -: "إن كانت إلاَّ أُثَيَّابًا في أُسَيْفاط قبَضَها عَشَّاروك"، وكان عيسى ضريرًا.

وأخَذ النَّحوَ عن عيسى بنِ عمر الخليلُ بن أحمد، ولعلَّ سيبويه لَقِيَه وأخَذ عنه أيضًا.

الطبقة الثالثة

أجَلُّ شيوخ هذه الطَّبَقة رَجُلان: أحَدُهُما حَفِظَ عِلم الأوائل من النُّحاة، وأخذه النَّاس عنه وهو يونسُ بن حبيب البصريُّ، والآخَر حَفِظَ علم الأوائل، وبرع في العربيَّة، وجدَّد علم النَّحو بما أُوتِي من قوَّة العقل، وعلُوِّ الذَّكاء، ومنه نبَع سيبويه، فسَقى النَّحو حتَّى أخصَبَتْ أرضُه، ونَما نباتُه، وهو الخليلُ بن أحمد، شيخُ الشُّيوخ جميعًا.

(1) يونس بن حبيب البصري

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015