كان أبوه "معدان" رجلاً من أهل ميسان، قدم البصرة وأقام بها، واستَعمَلَه عبدالله بن عامر على فيلٍ كان له فسُمِّي "معدان الفيل"، ولَمَّا نشَأ عنبسة لزم أبا الأسود، وعلم من عِلمه وروَى الشعر واجتهد فبرع، قال أبو عبيدة معمر بن المثنَّى: "اختلف الناس إلى أبي الأسود يتعلَّمون منه العربيَّة، فكان أبرع أصحابه عنبسة بن معدان المهري، واختَلفَ الناس إلى عنبسة فكان أبرعَ أصحابِه ميمون الأقرن".
ولم نصلْ إلى تاريخ مولد عنبسة هذا ولا وفاته، ولكنَّه لقي الفرزدق وجريرًا، فلعلَّ وفاته كانت في حُدود المائة الأولى من الهجرة قبلها بقليلٍ أو بعدها.
(2) ميمون الأقرن
لم نظفَرْ له بعدُ بترجمةٍ يصحُّ الاعتمادُ عليها، مع أنهم زعَمُوه أوَّلَ مَن وضع علم النحو.
(3) نصر بن عاصم
قال السيوطي: إنَّه أخَذ النحو عن يحيى بن يعمر، وقال ابن الأنباري: "قرأ القُرآن على أبي الأسود، وقرأ أبو الأسود على عليٍّ - رضِي الله عنه - فكان أستاذَه (يعني: أبا الأسود) في القراءة والنحو".
وهذا هو الأرجح؛ إذ إنَّ نصرًا هذا معدودٌ فيمَن روَى عن عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - فأخْذُه النحوَ عن أبي الأسود أشبَهُ من أخْذه النحو عن يحيى بن يعمر، وذكروا أنَّ وفاته كانت في زمن الوليد بن عبدالملك، واختلَفُوا ما بين تسعٍ وثمانين وتسعين.
وكان نصرٌ فقيهًا، وقارئًا مجيدًا، عالمًا بالعربيَّة، فصيح اللسان واضح البيان، قال عمرو بن دِينار: اجتمعتُ والزهري ونصر بن عاصم فتكلَّم نصر فقال الزهري: "إنه ليقلعُ العربيَّة تقليعًا"، وكان محدثًا ثقةً جيِّدَ الرأي.
(4) عبدالرحمن بن هرمز
ليس فيما بين أيدينا من ترجمة أبي داود عبدالرحمن بن هرمز الأعرج ما يُبيِّن سنَّه أو مولده، وكان عبدالرحمن مولى لمحمد بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، يعدُّ من الطبقة الثانية من التابعين المدنيِّين، قال ابن سعد: "ثقة كثير الحديث"، ويعدُّ فيمن أخذ القراءة عن أبي هريرة وابن عباس وعبدالبر بن عياش بن أبي ربيعة، وكان عالمًا بالعربية ومن أعلم الناس بأنساب العرب، يظنُّون أنَّ مالك بن أنس أخَذ عِلْمَ الأنساب عنه، ورحَل الأعرج إلى الإسكندرية، ومات بها سنة 117 في أيَّام هشام بن عبدالملك، قال الزبيدي: كان من أوَّل مَن وضع العربيَّة.
(5) يحيى بن يعمر
هو يَحْيى بن يَعْمُرَ اللَّيثيُّ، وكان مِن أهل البصرة، تابعيٌّ، قال الحاكمُ: "فقيهٌ، أديب، نَحْوي مُبَرَّز، سَمِع ابنَ عُمر، وجابرًا، وأبا هريرة، وأخذ النَّحو عن أبي الأَسْود".
وكان من الفُصَحاء، عالِمًا بالعربيَّة والحديث، وكان رجلاً شديدًا لا يُبالي، كَرِهَ الحجَّاجُ أنْ يُساكِنَه ببلد، (وكان الحجَّاجُ إذْ ذاك بواسط)، فنَفاه إلى خُراسان، فلمَّا حضَرَها، ولاَّه قتيبةُ بن مسلمٍ القضاءَ بها، فقضى في كثيرٍ من بلادها؛ كنيسابور، ومَرْو، وهَراة، وكان يَطلُب الغريبَ في كلامه، قال محمَّد بن سلام: أخبَرَني أُبَيٌّ أنَّ يَزيدَ بن المُهلِّب كتب إلى الحجَّاج: "إنَّا لَقِينا العدوَّ ففعلنا وفعلنا، واضْطُرِرْنا إلى عرعرة الجبل"، فقال الحجَّاج: ما لابن المهلِّب وهذا الكلام؟ فقيل له: إنَّ يحيَى بن يَعْمر عنده؛ فقال: ذاك إذًا.
ومات يحيى بِخُراسان في أيَّام مروان بن محمد سنة 129.
هذا، ولعلَّ يحيَى بن يعمر كما ذكَرْنا قبلُ قد هجَر النَّحو آخِرَ أيَّامه، ولَم يأخذه عنه أحدٌ من أهل خراسان؛ لأنَّنا لَم نجد في الطَّبقة الثانية من النُّحاة مَن كان مِن أهل خراسان.
(6) عبدالله بن أبي إسحاق
هو عبدالله بن أبي إسحاق الحضرميُّ البصري، يُعدُّ من القُرَّاء، أخذ القراءةَ عن يحيى بن يعمر، ونَصْرِ بن عاصم، وقد عدَّه بعضُ الكُتَّاب من الطَّبقة التي أخذَتْ عن أبي الأسود، إلا أنَّ هذا لم يصحَّ، ولكنَّه أخَذ عن يحيى بن يعمر أيَّامَ مُقامِه بالبصرة، فلمَّا نُفِيَ يحيى إلى خراسان، وخَفِي عِلمُه، ظهَر ابنُ أبي إسحاق، وعلا أمرُه في أيَّام أهل الطبقة الأولى من النُّحاة، وأعانَه على ذلك عُلوُّ سِنِّه؛ فإنَّه مات ابنَ ثمانٍ وثمانين سنة 117؛ أيْ: في السَّنة التي مات فيها الأعرج، ولكنَّا نعدُّه من كبار شيوخ الطَّبقة الثانية من النُّحاة، وهو أوَّل مَن مات من أهل هذه الطبقة من النُّحاة.
الطبقة الثانية من النحاة
¥