باب المفعول به، وهو الذي وقع عليه فعلُ هذا الفاعل، فرآه منصوبًا أبدًا فأمَرَّه على ذلك، ويَلِي هذين بابُ المبتدأ والخبر؛ لتَدانِي الشَّبه بينه وبين هذين البابين، ولعلَّ أبا الأسود وقَف عند هذه الأبواب الثلاثة ولم يزد عليها [6].
ثم تلقَّى هذا عن أبي الأسود رجالٌ من العَرَبِ، فأخفق كثيرٌ منهم في زيادة شيءٍ على ما تلقَّوْه منه؛ فقد ذكر السيرافي أنَّ أبا الأسود لَمَّا وضَع باب الفاعل والمفعول به زادَ في ذلك الكتابِ رجلٌ من بني ليث أبوابًا، ثم نظَر فإذا في كلام العرب ما لا يدخُل فيه، فأقصَرَ عنه، قال السيرافي: ولعلَّ هذا الرجل هو يحيى بن يعمر.
وكانت الطبقة الأولى التي أخذت القراءة - قراءة القُرآن - عن أبي الأسود، وتلقَّت منه الكلامَ عن الأبواب التي وضَعَها من النحو، وسمتْ سمتَه في تتبُّع الكلام العربي جهدَ الطاقة لوضع القواعد التي بَنَى عليها - نفرٌ يعدُّون: نترجمُ لكلٍّ منهم باختصارٍ بعد الكلام عن أبي الأسود - رحمه الله.
أبو الأسود الدؤلي
لم يَذكُر أصحابُ التاريخ والتَّراجم مولدَ أبي الأسود، ولكنَّ أكثرهم قال: إنَّه مات في الطاعون الجارف الذي وقَع بالبصرة، فأهلك أهلها إلا قليلاً، وذلك سنة 69 من الهجرة، وكانت سنُّه خمسًا وثمانين سنة، غير أنَّ المدائني قال: "إنَّه مات قبلَ ذاك"، وهذا أشبَهُ القولَيْن بالصَّواب؛ لأنَّا لم نسمَعْ له في فتنةِ مسعود وأمْر المختار بذِكرٍ، قال أبو الفرج في ترجمة أبي الأسود (ج11 ص119) وذكر مثلَ هذا القول بعينه والشكَّ فيه: هل أدرَكَ الطاعونَ الجارفَ أو لا؟ عن يحيى بن معين، أخبرني به الحسن بن علي، عن أحمد بن زهير، عن المدائني ويحيى بن معين فلعلَّ مِيلادَ أبي الأسود كان قبلَ الهجرة بنحو عشرين سنةً، فهو على ذلك مخضرم أدرك الجاهليَّة والإسلام، ولكنَّه على التحقيق لم يحظَ برؤية الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد عدوه في عِداد كِبار التَّابعين - رضوان الله عليهم.
ولم يصلْ إلينا كثيرٌ من أخبار أبي الأسود قبلَ زمن عُمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - وأوَّل ما عُرِفَ من أمر أبي الأسود أنَّ عمر استعمله على البصرة خلاقةً لابن عباسٍ، ثم استَعمَلَه عثمانُ بن عفَّان وعليٌّ - رضِي الله عنهما - وكان كلُّ أمرِه مع عليٍّ؛ فشهد معه المشاهد، وكان من وُجوه شِيعته، فلمَّا نقل معاويةُ أمر المسلمين من الخِلافة السَّمحة إلى المُلك العَضوض، وقام بأمر الدولة رجالٌ من شيعته لقي أبو الأسود عنتًا كثيرًا من عُمَّاله على البصرة والسواد، والأخبارُ في ذلك كثيرةٌ لا نطيل بذِكرها؛ إذ كان الغرضُ من هذه الترجمة التعريف بأبي الأسود تعريفًا موجزًا.
وكان أبو الأسود من الشعراء المجيدين، وله شعرٌ كثير جيِّد، وكان من مُحدِّثي التابعين يُحدِّثُ عن عمرَ وعليٍّ وعثمان وابن عباس ومعاذ وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم، وكان من أوائل القُرَّاء الذين أُخِذت عنهم القِراءة وضَوابطها، روى عن ابنه أبو حزب، قال الجاحظ: "أبو الأسود معدودٌ في طبقاتٍ من الناس، وهو - في كلِّها - مقدَّم مأثور عنه الفضلُ في جميعها، كان معدودًا في التابعين، والفقهاء والشعراء، والمحدِّثين، والأشراف، والفرسان والأمراء والدُّهاة، والنحويين، والحاضري الجواب، والشيعة والبخلاء، والصُّلع الأشراف، والبُخْرِ الأشراف".
وأنت إذا قرَأتَ ما ذُكِر في كتب التراجم والأدب عن أبي الأسود لتمثَّلت رجلاً حكيمًا فصيحًا ذكيًّا نابغة موفَّق الرأي، وهذه هي الصفات العالية التي سمتْ به إلى أنْ يكون الواضع الأوَّل لأجلِّ العلوم العربيَّة التي ضبطت اللسان وأبقَتْه حيًّا إلى يوم الناس هذا، وحفظت القُرآن من لحن اللاحِنين، ونفتْ عنه تحريفَ الغالين وانتِحال المُبطِلين.
الطبقة الرابعة
حمَل علمَ النحو عن أبي الأسود جماعةٌ، يُعَدُّون في الطبقة الأولى من طبقات النُّحاة واللغويين، وسنَذكُر أشهرَهُم ونُتَرجِمُ لهم تراجمَ مختصرةً.
(1) عنبسة بن معدان
¥