وقالوا: إنَّ أعرابيًّا قدم المدينة في زمان عمر - رضي الله عنه - فقال: مَن يُقرِئُني ممَّا أنزل الله؟ فأقرأه رجل (براءة) فقرأ: ? أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ? [التوبة: 3]، بكسر اللام من ? رسوله ? فقال الإعرابي: أوَقَدْ بَرِئَ الله من رسوله! إنْ يكن الله قد بَرِئَ من رسوله فأنا منه أبرَأُ، فبلغَتْ مَقالةُ الإعرابي عمرَ، فاستَوْثَقَ عمر من الخبر، فلمَّا عرفه أمَرَ ألا يُقرِئَ القُرآن إلا عالم باللغة، ودعا أبا الأسود فأمَرَه فوضَع النحو.
وقالوا: إنَّ سبب الوضع أنَّ ابنة أبي الأسود قالت له يومًا: يا أبه، ما أحسنُ السماء! فقال: أيْ بنيَّة! نجومُها، قالت: إنِّي لم أُرِدْ أي شيء منها أحسن، إنما تعجَّبت من حُسنها، قال: إذًا فقولي: ما أحسنَ السماء، فحينئذٍ وضع كتابا ... إلى غير ذلك من الروايات.
ولا شكَّ أنَّ همَّة أبي الأسود لم تنهَضْ إلى الفكر في وضْع أصولٍ تُضبَطُ بها العربيَّة أو أبوابٍ منها إلا بعد أنْ بدر اللحنُ على لسان المسلمين من الأعاجم ومَن كثُر اتِّصاله بالأعاجم ولُغاتها من العرَب، حتى دخَل الضَّيْم على لسانه فأفلتت منه فطرته الفصيحة، وهذا نادرٌ لا تكاد تجدُه في الزمن الأوَّل أبدًا.
غير أنَّنا لا نقول بأنَّ أوَّل ما وُضِعَ من أبواب العربيَّة هو ما وقَع فيه اللَّحن، بل نقول: إنَّ ما وقَع فيه اللَّحن هو الذي دفَع أبا الأسود إلى التفكير في وضْع ضوابط للعربيَّة، وقد جاء في الرواية عن ابن الأنباري قال: حدَّثنا يموتُ - يعنى: ابن المُزَرِّع - حدَّثنا أبو حاتم السجستاني، سمعت محمد بن عباد المهلبي، عن أبيه قال: سمع أبو الأسود الدؤلي - رضِي الله عنه -: ? أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ? [التوبة: 3]، بالجر فقال: لا تطمئنُّ نفسي إلا أنْ أضع شيئًا أصلح به لحنَ هذا، أو كلامًا هذا معناه.
ونحن نُرجِّح أنَّ أبا الأسود إنما عَنَى بكلمته هذه ما أشاروا إليه في روايتهم من أنَّ أبا الأسود أتى بالمصحف واختار من عُقَلاء الرجال رجلاً من عبدالقيس فقال له: خُذِ المصحف وصبغًا يُخالف لون المِداد الذي كُتِبَ به، فإذا أنا فتحت شفتي فانقط واحدةً فوق الحرف، وإنْ ضمَمتُهما فأجعل النُّقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسَرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئًا من هذه الحركات غُنَّة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخِره ... ثم إنَّ أبا الأسود بدَأ يُفكِّر في وضْع قَواعد لضبط الكلام.
فالرأيُ عندنا أنْ يكون ما وقَع فيه اللحن هو الذي استنهض أبا الأسود لوضْع العربيَّة، ولا يلزمنا أنْ نقول: إنَّ أوَّل ما وضع من أبواب العربيَّة هو الباب الذي وقَع فيه اللحن، ومن هنا تمهَّد سبيلُنا للمذهب الآخَر الذي قُلنا به من أنَّ أبا الأسود اجتهد في استِنباط القواعد، فوقعت له أبوابٌ وضع لها قاعدة تلمُّ ببعض ما فيه، وقد قُلنا قبلُ: إنَّنا نذهبُ إلى القول بأنَّ أوَّل بابٍ وضعه أبو الأسود هو باب الفاعل، وقد روَى الشيخ الجليل الإمام السيرافي أنَّ السبب في وضْع العربيَّة أنَّه مَرَّ بباب أبي الأسود سعدٌ الفارسي (هو سعد بن بالويه الفارسي، شهد الردَّة وأبلى بلاء حسنًا) وهو يقودُ فرسه فقال له: ما لك يا سعد لا تركب؟ فقال: إنَّ فرسي ضالع (أراد: ظالعًا) [4] فضَحِك به بعضُ مَن حضَرَه فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخَلوا فيه، فصاروا لنا إخوةً، فلو علَّمناهم الكلامَ، فوضع باب الفاعل والمفعول به ولم يزدْ عليه، وذكر مثلَه ابنُ حجرٍ في "الإصابة" عن ابن أبي سعد.
وهذه الروايات وإنْ كانت لا تقومُ دليلاً على مذهبٍ بعينه؛ لكثْرة اختلافها وتباعُد بين أطرافها، إلا أنها تجنحُ بنا إلى الاطمِئنان إلى الرأي الذي نذهَبُ إليه [5]، وذلك أنَّنا نظَرْنا فوجَدْنا أنَّ أبا الأسود حِين خَلا يُفكِّر في ضبْط الكلام أخَذ يعرضُ على فِكره صُوَرَ الكلام العربي؛ فأوَّل ما يعرض من ذلك أكثر الصِّيَغِ دورانًا على اللسان كقولهم: ركب سعدٌ الفرس، وكذا وكذا من الجمل الفعليَّة، فلمَّا وجد أنَّ الذي يخبر عنه بأنَّه قد ركب أو فعل شيئًا ما يقعُ من الكلام أبدًا مضمومًا وقَع له الرأي بأنَّ مَن فعَل الرُّكوب أو غيره يجب أنْ يقع في مثل هذه الصيغة مرفوعًا أبدًا، ثم بدا له
¥