ملتقي اهل اللغه (صفحة 8723)

وكذلك القول في بقيَّة أبواب النحو والصرف والاشتقاق والبيان، فهذه كلُّها كانت جاريةً في ألسنة القول مجرى قوانين الجاذبيَّة، فما تشذُّ كلمةٌ عن بابها الذي وُضِعت بعدُ فيه من علم النحو أو غيره؛ لأنَّ قانون الألفاظ الذي يضبطُ ألسنة كلِّ قومٍ على سنَّة لغتهم لا يدعُ الكلمة تخرُجُ من دائرة تأثيره أبدًا مهما كان التشابُه قريبًا بين الكلمتين اللتين يسوغُ العقل إلى مَدَى اختلاط إحداهما بالأخرى في تصريفِها أو وضْعها أو تقليبها على وُجوه الجمع والتحقير وغير ذلك.

ألا ترى إلى صاحبنا الشجري كيف جمَع سرحانًا وأشباهها على سراحين، فلمَّا دسَّ له شيخنا أبو الفتح "عثمان" بين هذه المتشابهات لم يقل إلا: "عثمانون" وأبَى "عثامين"، فلمَّا سُئِل عن العلَّة لم يكنْ جوابه إلا تَعجُّبًا من أمر سائله، وشكًّا في عِلمه ومعرفته فقال: إيش ذا! أرأيت إنسانًا يتكلَّم بغير لُغته؟ فهذا الأعرابي لا يعرف قِياسًا ولا علمًا ولا ألفًا ونونًا، بل كلُّ ما يعرفه أنَّه إذا رأى سرحانًا وسرحانًا وسرحانًا قال: هذه سَراحين؛ وذلك لأنَّ الفرد في طبيعة الإنسان ونظره وفِكره غير الجماعة، فهو محتاجٌ إلى لفظٍ غير لفظ الشيء المفرد ليُعبِّر عن عدَّة أفراد من هذا الشيء نفسه، فأختار له بالطبيعة لفظًا آخَر يُقارب اللفظ الذي يدلُّ به على المفرد، وهذا ما نُسمِّيه نحن بالجمع، وهذا المفرد وجمعُه يضمَّان بين أحرُفهما تاريخَ نشأة هذه الكلمة وتاريخ تدرُّجها في اللسان، والذي نسميه نحن بالاشتقاق والأصل، وعثمان وعثمانون مفردٌ وجمع فيهما تاريخ نشأتهما وتدرُّجهما في اللسان، فلمَّا اختلف تاريخ نشأة هذين اللفظين المفردين "عثمان وسرحان" وتدرُّجهما في اللسان خالَفت فطرة اللسان بين جمعيهما مخالفةً ظاهرة؛ فاعلَمْ من ذلك أنَّ الحرفين إذا اتَّفق تاريخُ نشأتهما وتدرُّجهما في اللسان كان القانون الذي يجريان عليه واحدًا في لسان أهلِ اللغة، دُون أنْ يعرفوا لذلك علَّةً مُقرَّرة، ما العلَّة عندهم إلا أنَّ هذه لغتهم وحسْب.

وهذا بابٌ من القول لم نَستَوفِه لضِيق الوقت والتِزامِنا إخراجَ هذا الجزء من الأشموني في مِيعاده الذي ضُرِبَ له، ونحن لا نفتات على اللغة بما لا تَرْضاه ولا تقرُّه، ولا نذهب بها مذهبًا هي إلى غيره أميَلُ، ولا نضَعُها موضعا هي في غيره أشرف وأنبل؛ فلذلك نَعِدُ القُرَّاء بأنْ نُوافِيَهم قريبًا بكتابٍ واسع المضطرب، نزيدُ فيه الرأي وُضوحًا، ونقفُ عند كلِّ كلمةٍ منه مع القارئ نُبيِّن له ونُوضِّح؛ حتى نُقرِّر المذهب الذي نذهبُ إليه، فإنِ ارتضاه اعتقَدَه، وإنْ أباه ردَّ علينا فسادَه ونبَذَه، والله المستعان.

سبب وضع العربية:

رأينا قبلُ أنَّ اللغات نشَأتْ مضطربةً على الألسنة، وعملتْ في الألسنة عمَلَها، وعملتْ فيها الألسُنُ والعقول والحاجات عملَها أيضًا، وكان عملُ الألسنة تهذيبًا وإدارةً وتنقيةً وجمعًا لما في طبيعة الإنسانيَّة من مُداورة ما يَجرِي معها حتى يخفَّ بعد ثقلٍ، ويلينَ بعد صلابة، ويتشابه بعد تنافر، ويستقرَّ بعد اضطراب؛ ليكفُلَ ذلك كلُّه للُّغة النماءَ والقوَّة والاستحكام؛ لئلا تضعُف وتنحل وتسقط وينتشر ما اجتمع من أمرها.

واستمرَّ هذا التدرُّج في الألسنة حتى وصَلتْ إلى حالةٍ من الاستقرار وفقًا لتدرُّج التمدُّن في الارتقاء والنموِّ إلى درجةٍ من الاستقرار والثَّبات.

هذا، وقد كُنت أودُّ أنْ أسيرَ بالقارئ في الجزيرة العربيَّة من أوَّل عُهود التاريخ التي وصلَتْنا إلى العهد الذي احتفَتْ فيه بنور إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - وما كان من أمر هذه الجزيرة بعدَ ذلك إلى أنِ استقرَّ اللسان العربي على حالةٍ بَيْنَ بَيْنَ في القرنين السابقين؛ لإشراق نُور النبوَّة فيها، وهبوط الوحي بالمعجزة الباقية أَبَدَ الدهر على محمد رسول الله وخاتم النبيِّين - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكنِّي أُفضِّل الآن لهذه الكلمة الموجزة أنْ يكون بدءُ القول في أمر لغة العرب من العهد القَريب السابق لرسالة رسولنا - صلَّى الله عليه وسلَّم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015