ملتقي اهل اللغه (صفحة 8722)

قال شيخُنا: وسألته يومًا: كيف تجمعُ سرحانًا؟ فقال: "سراحين"، قلت فدكانًا؟ قال: "دكاكين" قلت: فقرطانًا؟ قال: "قراطين"، قلت"فعثمان"؟ قال: "عثمانون"؟ قلت: هلا قلت: "عثامين" كما قلت: "سراحين وقراطين"؟ فأباها البتَّة، وقال: إيش ذا! أرأيت إنسانًا يتكلم بما ليس من لغته، والله لا أقولها أبدًا ... استوحش من تكسير العلم إكبارًا له، لا سيَّما ومنه الألف والنون اللتان بابهما فعلان الذي لا يجوزُ فيه فعالين نحو سكران وغضبان.

قد عرَضْنا لسان هذا الإعرابي ولسان ابنِ عمِّه لنردَّك إليهما في سِياق كلامنا هذا عن اللغة والإعراب وعلم النحو؛ لئلا نقطع عليك سبيلَ الكلام حين لا بُدَّ لك من الاستمرار.

قلنا: إنَّ حركات الإعراب من اللغة بمنزلة مفرداتها؛ وذلك إنهما درَجَا معًا على الألسنة وتَوافقَا على أمرٍ من الزيادة والنُّقصان والإبقاء والحذف، وعَمِلا في الألسنة حتى مرنت واستَقامَتْ، وعملت فيهما الألسنة حتى تهذَّب منها ما جَفَا وما انتشر وما غلظ؛ لما في طبيعة الإنسانيَّة من مُداورةِ ما يجرى معها حتى يخفَّ بعد ثقلٍ، ويلين بعد صلابة، ويتشابَه بعد تنافُر، ويستقر بعد اضطراب، فلمَّا تَمَّ ذلك لم يكن هناك محيص من أنْ تقوم ألسنة القوم ولغتهم على أمرٍ جامعٍ لا يتفرَّق بها، فترتدَّ إلى الضعف والانحلال، وتباعد الأطراف والفساد واستحالة النماء؛ فكان ما نُسمِّيه نحن الآن من الإعراب والنحو والبيان بأسماءٍ اتَّخذناها أداة للتعبير عن سِرِّ مَعانيها في الكلام، قائمًا في ألسنة القوم مقامَ القانون الطبيعي الراسخ الذي لا يتحوَّل، فكان رفعُ الفاعل ونصبُ المفعول عندهم كمخرجِ الحروف عن اللسان والشَّفتين واللهاة، ولا فرق.

ولو أردت أنْ تُقرِّب هذا المعنى إلى فهمك وتُوضِّحه لنفسك، فاضرِب المثل بالحمار والفرس والبغل، فهذه الثلاثة على تقارُب شيتها وتشابُه أعضائها وتناظُر بدنها وتركيبها مميزة في بصَر الإنسان، مُفرَّق بين كلٍّ منها بخصائص لا تُخطِئها الطبيعة الإنسانيَّة من طُفولتها إلى صِباها إلى شَبابها إلى فتوَّتها إلى هرمها، حتى تصل إلى قبر الأبَد، ولا يَزال الحمار حمارًا والفرس فرسًا والبغل بغلاً، مهما اختلفت الألوان أو تغيَّرت البلدان، ولا تزال الخصائص المميِّزة قائمةً فيها على هذا الاختلاف والتغيُّر، فكذلك كانت حَركات الإعراب والنحو على الكلمة الواحدة على اختِلاف مَواقعها من الكلام كالشِّيَةِ لها تُميِّزها عن أختها التي هي مثلُها في حُروفها وباقي حَركاتها حتى أصبحت قائمةً في ألسنة كُلِّ قومٍ على أصول لغتهم متميِّزة بفطرة الألسنة، وأمَّا ما صار لها بالتكرار والعادة كالفطرة المرهفة الدقيقة التي لا يختلُّ تمييزها، أو لا يضعف إحساسها بالخصائص الملازمة لشيءٍ بعينِه من بين الأشياء المتشابهة.

فلا يَجُولنَّ بخاطرك أنَّ الفتحة والكسرة والضمَّة والسكون دخيلاتٌ على الحروف التي تقعُ عليها في أوَّل الكلام وأوسطه وطرفه، فجعلت بالوضع للتمييز بين أبنية الكلام أو مَعانيه التي يدورُ عليها، واعلم أنَّ هذه المعاني لا تلمُّ بقلبٍ ناطقٍ بلغةٍ ولا تتعلَّق بفهمه، أوَلا ترى إلى صاحبنا الشجري حين سأله شيخُنا وأدارَه على أنْ ينطِق "أكرَمَ أخوك أبوك" بالرفع، فأباها واستوحش وقال: لا أقولُ: "أبوك" أبدًا، فلمَّا سأله أنْ يقول: أكرمني أبوك قال: "أبوك"، وذكر العلَّة التي يعرفها والتي هي الحقيقة الأولى في اللغة قبل أنْ يُوضَع الاصطلاح النحوي المعقَّد فقال: "اختلفت جهتا الكلام"، فالحركات عند هذا الأعرابي وغيره ممَّن كان ينطق اللغة سليقةً لا اكتسابًا وتعمُّلاً، تقعُ على معاني الكلام وتصرُّفه ووُجوهه دُون كَدٍّ للذهن أو تصريفٍ للسان بعنانٍ من الفكر، فكأنَّ الكلمة الواحدة عندنا هي عنده أربع كلمات أو ثلاث وفقًا للحركات التي تكونُ عليها، ولكلِّ واحدةٍ في حالتها معنى أو معانٍ لا يتجاوَزُها استعمالُه ولا يُطِيع بغيرها في موقعها لسانُه ولا فكرُه ولا فِطرتُه، وهذا غير بدعٍ في أمر الألسنة، فأنت ترى لكلمة "العين" مثلاً عند العربيِّ المبرَّأ معانيَ متباعدة وأخرى مُتقاربة، وهو يميزُ بينها ويفصل بين وجوهها من حقيقةٍ ومجاز، ولا يكاد يخطئ وضعَها من الكلام حينَ تكونُ الضَّرورة لاستعمال هذا اللفظ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015