ملتقي اهل اللغه (صفحة 8724)

قال التاريخ: إنَّ هذه الجزيرة العربيَّة - التي تحدُّها من الشرقِ بلادُ فارس، ومن الغرب بحرُ القلزم ومشارفُ الشام وأطرافُ مصر، ومن الشَّمال أرضُ الشام وفيها غسَّان والروم، ومن الجنوب بحرُ الهند - قال: كانت هذه الجزيرة منزلاً لقَبائلَ تفرَّقت في أوديتها وحُزونها وأباطحها وبَيْدائها، وكان جلُّ اعتِماد أهلها على الرحلة من مكانٍ إلى مكان في طلب الغَيْثِ وانتِجاع المرتع، والتصرُّف في وجوه التجارة ما بين جَوانبها وبين مصر والشام وبلاد الروم وأرض الحبش وديار فارس، وتصرَّمتْ على أمرها هذا الحِجَجَ الطوال، فكانت هذه القبائلُ تتكلَّم عِدَّةَ لهجاتٍ منها العربيَّة التي وصلتنا - والتي يُسمُّونها لغة قريش - ولا شَكَّ في أنَّ هذه القبائل - التي تسكُن جزيرة العرب وتعمرها - كانت تتلاقي بالجوار والترحال والتجارة، فكان الرجل من قبيلةٍ إذا نزَل بأرض قبيلةٍ أخرى لم يعسر عليه أنْ يكون بينهم كأحدهم منطقًا وإفهامًا وتفهُّمًا، وإلا لتَدابَرتْ هذه القبائل وتقطَّعت الصلة بينها، ولكان التاريخ قد قذَف بها جميعًا من سجلِّه، ولم يصلنا من شعرها ولا أخبارها ولا لهجاتها شيءٌ أبدًا، فهذا دليلٌ على أنَّ هذه اللهجات التي اتَّخذتها القبائل كانت قليلةَ التَّخالُف كثيرة التشابُه متدانية الأصول؛ فلذلك قام أمر العرب قبلَ الإسلام على الاجتماع في أسواقٍ ذكَرَها التاريخ ووصَلَنا شيءٌ لا بأسَ به من أخبارها، فكانت العرب تلتقي فيها للتجارة وإنشاد الشعر والتفاخُر والتحاكُم والتحالُف، وغير ذلك من شُؤونها ومَصالحها، وحدَّثَنا التاريخ أنَّ اللهجة التي كان يُرجَعُ إليها في أمر لسانهم هي لهجة قُريش التي نزَل بها الوحي على أمين الله في أرضِه والشاهدِ على الناس رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فكان ذلك مبدأَ اتِّفاق اللهجات المختلفة على أمرٍ جامع لا يتفرَّق بها إلى مذاهب الضَّعفِ والانحِلال، وبهذه الأسواق الجامعة لأشتات القبائل ونِزاعها وأشْرافها وصَمِيمها وفُصَائحها وشُعَرائها بدأت لهجات اللسان العربي تخفُّ بعد ثقلٍ وتلينُ بعد صلاة؛ وتتشابه بعد تنافُر، وتستقرُّ بعد اضطراب، حتى جاءتهم المعجزة التي ألقوا إليها بالمقادة واتَّبعوها كارهين وطائعين وتوافَدُوا إليها وهم في كلِّ حدبٍ ينسلون.

وقام القُرآن على ألسنتهم فضبَطَها وألَّف بينها كما ألَّف بين قُلوب أهلها بعد الشِّقاق والتَّناحُر والعَداوة والبَغضاء، فلانت بالقُرآن ألسِنَةُ القبائل وزادت مطاوعةً وليانًا باجتماع رجالها في الجِهاد وهم على قلب رجلٍ واحد أحباء لا يتنابذون ولا يتدابَرُون.

وكانت هذه الأسواق تجمع أفذاذَ العرب ونوابغها، وتوقظ فيهم القوى الإنسانيَّة كلَّها، خيرها وشرها، ومن تلك القُوَى التي تنبَّهت في أفرادٍ من العربِ الإدراكُ اللغوي، فكان يقومُ هؤلاء الأفراد مقامَ القضاة على قَضايا اللسان العربي، فمن هؤلاء النابغة الذُّبياني وغيرُه.

فكان يُعرَضُ عليهم شِعر القبائل فيُزيِّفون منه زيفَه ويردُّون ساقطَه، ويعلُون عاليَه، ويشهَدون لجيِّده، ولعلَّ نظرةَ هؤلاء القضاة كانت نظرةً شاملة في المعاني والألفاظ ومواقعها وقوَّتها واختلالها، وكانوا قد عرَفُوا بما رُكِّبَ فيهم من أسباب النُّبوغ أحكامًا صحيحة عن أساليب البَيان وأنواع الخطأ الذي يُدرِك اللسان على قلَّته وخَفائه، وكانت أحكامُهم هذه لا تعرف الاصطلاحَ والوضع ولكنَّها كانت أحكامًا فطريَّة، كما رأيت من قول صاحبنا الشجري: "اختلفت جهتا الكلام"، وقوله في المرَّة الأخرى: "أرأيت إنسانًا يتكلَّم بما ليس من لغته"، وغير هذا من الأمثلة الكثيرة التي لم يُسعِفنا الوقت بلمِّ شَعثها وتقييد نُصوصها في هذا المكان، فكان تنبُّه هذه القوَّة في هؤلاء الأفراد، وسيرورة ما يحكُمون به على الشِّعر والخَطابة، هو بدء وضع علم العربيَّة الذي سموه فيما بعدُ نحوًا وبيانًا واشتقاقًا وتصريفًا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015