ملتقي اهل اللغه (صفحة 8721)

ولعلَّك تعرفُ ممَّا مضى أنَّ النحو والاشتقاق والبَيان هي من اللغة بمنزلة مُفرَداتها [3]؛ إذ كانت مرتبطة بها في تدرُّجها وارتقائها أو ضعفها وانحِطاطها، فلو أنَّك أردت أن تستغني مثلاً عن الحركات التي سميت فيما بعدُ حركات الإعراب في لغةٍ من اللغات لكان لِزامًا عليك أنْ تُدخِل التغيير والتبديل في مفردات اللغة نفسها وفي اشتقاقها وصَرفها وأساليب بيانها، أمَّا أنْ تتَّخذ مفردات لغةٍ من اللغات وتزوي وجهك عن حركات إعرابها وأساليب بيانها وطرق اشتقاقها وصرفها؛ استجلابًا لسهولة استعمالها وسرعة ذيوعها - فهذا قتلٌ لكلتيهما، وإفسادٌ في طبيعة الأشياء لا يقرُّه عقل ولا يُجاريه منطق.

وقد كتبنا هذه الكلمة - على قصرها واتِّساع ميدان الكلام في أغراضها - لنتقدَّم بالكلام عن نشأة النحو في العربيَّة، فلو أتاحَتْ لنا الأيَّام بعد استِيفاء الكلام كله في هذا الأصل أصدرنا - بعون الله - كتابًا مستقلاًّ بنفسه لا نَدَعُ فيه كلمةً للرأي إلا قُلناها، وعرَّفنا المبتدعة مكانَ النحو والاشتقاق والبيان من اللغات، وفتحنا طريقًا لمعرفة سرِّ الإعراب في العربيَّة، وأَبَنَّا عن معاني الحركات الأربعة في مَواقعها من الكلام العربي، والله المستعان.

اللغة والإعراب وعلم النحو

قال شيخُنا أبو الفتح عثمان بن جني: "حضرَنِي قديمًا بالموصل أعرابيٌّ عقيلي جوثي تميمي يُقال له: محمد بن العساف الشَّجري، وقلَّما رأيت بدَوِيًّا أفصحَ منه، فقلت له - شغفًا بفصاحته، والتِذاذًا بِمُطاوَلته، وجريًا على العادة معه في إيقاظ طَبعِه، واقتِداح زَند فطنته -: كيف تقولُ: "أكرَمَ أخوك أباك" فقال: كذاك، فقلت له: أفتقول: "أخوك أبوك؟ " فقال: لا أقول: "أبوك" أبدًا، قلت: فكيف تقول: "أكرمني أبوك"؟ فقال: كذاك، قلت: أفلَسْتَ تزعُم أنَّك لا تقول: "أبوك" أبدًا؟ فقال: إيش هذا! اختلفت جهتا الكلام ... فهل قوله: "اختلفت جهتا الكلام" إلا كقولنا نحن: "هو الآن فاعل وكان في الأوَّل مفعولاً"، فانظُر إلى قِيام معاني هذا الأمرِ في أنفُسِهم وإن لم تطعْ به عِبارتهم.

وقال شيخُنا - رحمه الله -: وسألتُ الشجريَّ صاحبَنا هذا الذي قد مضَى ذِكرُه قلتُ له: كيف يا أبا عبدالله تقول: "اليوم كان زيد قائمًا"؟ فقال: كذلك، فقلت: فكيف تقول: "اليوم إنَّ زيدًا قائم" فأباها البتَّة، وذلك أنَّ ما بعد "إن" لا يعمَلُ فيما قبلها؛ لأنها إنما تأتي أبدًا مستقبلة قاطعة لما قبلها عمَّا بعدها وما بعدها عمَّا قبلها.

وقلت له يومًا ولابن عَمٍّ له يُقال له: "غصن" - وكان أصغر منه سنًّا وألين لسانًا -: كيف تحقران "حَمْراء" فقالا: "حُمَيراء" قلت: فـ"صَفْراء"؟ قالا: "صُفَيراء"، قلت: فـ"سَوْداء" قالا: "سُوَيداء" واستمررت بهما في نحو هذا، فلمَّا استويا عليه دسَسْت بين ذلك "علباء"؛ فقلت: "فعلياء"؟ فأسرع ابن عمه على طريقته فقال: "عُلَيباء" وكاد الشجري بقولها معه، فلمَّا همَّ بفتح الباء استرجع مستنكرًا فقال: "إه عليبى" وأشمَّ الضمة رائمًا للحركة في الوقف، وتلك عادةٌ له.

قال ابن جنِّي: وسألته يومًا: يا أبا عبدالله، كيف تجمعُ محرنجمًا؟ وكان غرضي من ذلك أنْ أعلم ما يقوله؛ أيُكسِّر فيقول: "حَراجم" أم يُصحِّح فيقول: "محرنجمات"؟ فذهب هو مذهبًا غير ذَيْنِ فقال: وإيش فرَّقَه حتى أجمعَه! وصدَق؛ وذلك أنَّ المحرنجم هو المجتمِع.

يقولها مارًّا على شَكِيمته غير مُحِسٍّ لما أريدُه منه، والجماعة معي على غاية الاستِغراب لفَصاحته ...

قلت له: فدَعْ هذا؛ إذا أنت مَرَرْتَ بإبلٍ محرنجمة وأخرى محرنجمة وأخرى محرنجمة تقول: مررت بإبل ماذا؟ فقال - وقد أحسَّ الموضع -: يا هذا، هكذا أقول: "مررت بإبلٍ محرنجمات"، وأقامَ على الصحيح البتَّة، استِيحاشًا من تكسير ذَوات الأربع لمصاقبتها ذَوات الخمسة التي لا سبيلَ إلى تكسيرِها، لا سيَّما إذا كان فيها زيادةٌ، والزيادة قد تعتدُّ في كثيرٍ من المواضع اعتِداد الأصول حتى إنها لتَلزَمُ لُزومها نحو: كوكب، وحوشب، وضَيْوَن، وهَزَنْبَران، ودَوْدَرَّى، وقرنفل، وهذا موضعٌ يحتاج إلى إصغاءٍ إليه، وإرعاءٍ عليه، والوقت - لتَلاحُمه وتقارُب أجزائه - مانعٌ منه، ويُعِينُ الله فيما يَلِيه على المعتقَد المنويِّ فيه بقُدرته.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015