كَلامهم وكُتبهم ورسائلهم، وما يمسُّه من شُؤون حَياتهم واجتماعهم، فهذا هذا كما ترَى.
ولا يَذهَبنَّ عنك بعدَ ما رأيت أنَّ اللغة إنما هي أداةٌ للتعبير التي يتخذها كائنٌ حي في الإشارة إلى شيءٍ، أو الإفصاح عن غَرَضٍ، أو الدعاء في طلب، أو الإعراب عن ضمير نفسه بما يجولُ فيها، فهي على ذلك تجمعُ الإشارة بالجوارح أو الأعضاء من تلويحٍ بيد أو إيماءٍ برأس أو تقطيبٍ أو اهتزاز أو تصويت أو منطق، هذا عندنا هو الأصل في المعنى الذي تُراد له "اللغة"، ثم قام هذا اللفظ "أعنى اللغة" للكلام المنطوق المركَّب من أحرُفٍ على هيئةٍ بعينها، وتتألَّف من هذه الأحرف كلماتٌ على أوضاعٍ تخصُّ بها، تدلُّ على مَعانٍ تختلفُ باختلاف التركيب والوضع.
قلنا: إنَّ أداة التعبير الأولى إنما هي من آثار النُّبوغ في فردٍ من الأفراد، وتساوق النبوغ بعدُ في إحداث ما يُعبِّر به عمَّا يرى وما يسمعُ وما يحسُّ؛ فتكاثرت "الكلمات" التي يُعبَّر بها عن الأشياء والمعاني، وتصرَّمت الأجيال على نماء أدوات التعبير وزِيادتها، ثم تصرَّمت الأجيال ورأينا لغات مُتَقاربة أو مُتَباينة، ثم تصرَّمت الأجيال وقيدت هذه اللغات ووضعت لها ضَوابط وقَواعد، واختصَّت كلُّ لغةٍ في جِيلٍ من الناس وأمَّةٍ من الأمم بقَواعد وأُصول تختلفُ اختِلافًا جَليلاً أو دَقيقًا عن سائر اللُّغات التي تُعاصِرُها أو تُجاوِرُها.
ونحن لا نَشُكُّ في أنَّ اللُّغة من هذه اللغات نَمَتْ في أحقابٍ مُتَطاوِلة إلى أنْ كانت لها قَواعد وضَوابط وأصول يرجعُ إليها، فلو رجَعْنا هنا إلى القول الذي قلنا به في نشأة اللغة من طبيعة النُّبوغ في فَرْدٍ من الأفراد، أو أفرادٍ من الجماعات، لاعتَرَضَنا مُعترِضٌ بالشُّبهة في هذا القول والشك في أمره؛ إذ كيف يتَّفق طبيعة النُّبوغ في أفرادٍ من أمَّة على تطاوُل الأحقاب اتِّفاقًا مصمتًا يكون من أثَره أنْ تقعَ أنواع الكلمات في هذه القواعد والضوابط ولا تتعدَّاها؟ ويلزمنا لذلك أن نقول بأنَّ القواعد قد تواضَعَ الناس عليها أولاً ثم صاغوا لها الكلمات والأساليب.
أمَّا تواضُع الناس على القواعد والأصول قبلَ أنْ تكون لغةٌ يتَفاهَمون بها فهذا مُحالٌ لا يقول به أحدٌ، فلم يبقَ أمامَنا إلا أنْ نعرفَ كيف اتَّفق هذا في اللغات التي درست ولم يبقَ منها إلا آثارٌ وأطلالٌ، وأيضًا في هذه اللغات التي تحيا إلى اليوم متَّخذة أداة للتَّفاهُم والتراسُل والتعليم والتعلُّم.
لا شكَّ أنَّ الكلمات الأولى التي أُلقيت على لسان فردٍ من الجماعة، ودَعَتِ الناس إلى تقليدها ومحاكاتها بالنُّطق قد جعلت في ألسنتهم مُرونةً وليانًا ومطاوعة، فلمَّا اشتدَّت الحاجة بالناس إلى التعبير أو الإشارة لم يجدْ بعضهم محيصًا عن تقليب الأحرف التي عرَفُوها على ألسنتهم بالتقديم والتأخير؛ فأحدَثُوا ألفاظًا مشابهة للأولى في بنائها، ولم تُواتِهِمُ الألسنة والطبائع الناشئة منهم بالاعتِياد والتكرار على مُخالَفة الأوزان والصِّيَغ الأولى التي طالَ عهدهم بها، فمرنوا عليها، فلمَّا ظهَر بينهم العقلُ المشرق الجديد كان قد تلقَّن في نَشْأته أصول لغته أيًّا كانت بالعادة والمران، واستَقام لسانه عليها، فلمَّا أشرقت عليه أنوار النُّبوغ اعتمد نبوغُه على التوليد من الأصول التي استوضحها عقلُه الرحب وأدركها حسُّه المرهف، ووزنها وميَّزها بعضها من بعضٍ تركيبُه الدقيق، فكان يكثُر منه اتِّفاق ما يحدث من الأبنية والصيغ، مع ما نشأ فيه ودرَج عليه وجاء من بعده أتْباعُه يزيدون على أصوله وفروعه لا يكادون يخرُجون عليها، حتى يأتيهم مَن يلقون إليه بالمقادة في أمر لسانهم وتفكيرهم، فمن هذا ترى أنَّ الاتِّفاق شيءٌ غير بدعٍ في أمر الألسنة الإنسانيَّة.
ولا يفوتك أنَّ هذا هو الشأن من بعد تفرُّق الجماعات في الأرض على اختلاف طَبائعها وأجوائها وتغيُّر طبائع الناس وعاداتهم وحاجاتهم تبعًا لتغيُّر أرضهم ومنازلهم، استمرَّت الحال على ذلك حتى استَقرَّت بعض اللغات على طرازٍ خاص؛ إذ ضُبِطت بالقواعد والأصول التي نُسمِّيها على النحو وعِلم الاشتقاق والصَّرف وعلم البيان.
¥