ملتقي اهل اللغه (صفحة 7850)

وَهَذَا الأمرُ عِنْدَ مَنْ مَارَسَ الكُتُبَ المَخْطُوطَةَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ؛ فَكَمْ مِنْ كِتَابٍ يُوجَدُ مِنْهُ جُزْءٌ في القَاهِرَةِ وجُزْءٌ في دِمَشْقَ وجُزْءٌ في الهِنْدِ! مِنْ نُسْخَةٍ هِيَ النُّسْخَةُ وَحْدَهَا! لَكِنَّها تَفَرَّقَتْ أيْدِي سَبَإٍ بِسَبَبِ عَوادِي الزَّمَانِ.

ورُبَّما وَجَدتَ أيْضًا في البَلَدِ الوَاحِدِ جُزْءًا مِنْ كِتَابٍ عِنْدَ عَالِمٍ والجُزْءَ الثَّاني مِنْهُ عِنْدَ عَالِمٍ آخَرَ؛ مِمَّا يُحْوِجُ مَنْ رَامَ العِنَايَةَ بِكِتَابٍ فَوَجَدَ فيه نَقْصًا أنْ يَتَلَمَّسَ نُسَخَهُ في البِلَادِ الإسْلامِيَّةِ كُلِّهَا، وإنْ كَانتِ النَّسْخَةُ الخَطِّيَّةُ أصْلُهَا مَكْتُوبًا في اليَمَنِ، فَرُبَّما كُتِبَ كِتَابٌ في اليَمَنِ هُوَ اليَوْمَ في إيطَالِيَا، فكُتُبُ اليَمَنِ خَاصَّةً تَحَوَّلَتْ إلَى المَكْتَبَةِ المَعْرُوفَةِ في مِيلَانُو! وعلَى هذَا فَقِسْ مِنْ كُتُبِ الأُمَّةِ الإسْلَامِيَّةِ!

ولَوْ وُجِدَ التَّوَاصُلُ بَيْنَ نَاشِرِي الكُتُبِ مِنَ الطَّابِعِينَ والمُحَقِّقِينَ لَالْتَأَمَ شَمْلُ جُمْلَةٍ مِنَ الكُتُبِ الَّتي صَارَتْ علَى هذِه الصِّفَةِ.

ثُمَّ تَقَدَّمَ رحمهُ الله تَعالَى بِشُكْرِ الحُكُومَةِ المِصْرِيَّةِ و (الخِزَانَةَ الخِديوِيَّةَ) أيْ: مَكْتَبَةَ الخِديوِي ـ وهُوَ لَقَبٌ لِمَلِكِ مِصْرَ ـ وهِيَ الَّتي سُمِّيَتْ بِأَخَرَةٍ: (دارَ الكُتُبِ المِصْرِيَّةَ)، فَإنَّهَا كَانتْ تُسَمَّى بِالخِزانَةِ الخِديوِيَّةِ، وكَانَتْ مَحَلًّا لِلْكُتُبِ المَخْطُوطَةِ الَّتي كَانَتْ عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، ثُمَّ عَظُمَتْ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهَا وَمَا يُجْعَلُ فيهَا، ومَعَ زَوَالِ المَلَكِيَّةَ في البِلَادِ المِصْرِيَّةِ سُمِّيَتْ بِدَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ.

وهَذِه الدَّارُ تَفَضَّلَ القَائِمُونَ عَلَيْهَا بِإِرْسَالِ جُمْلَةٍ مِنَ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ لِكُتُبٍ نَشَرَتْهَا دَائِرَةُ المَعَارِفِ العُثْمَانِيَّةُ، مِنْهَا: (السُّنَنُ الكُبْرَى) و (التَّاريخُ الكَبِيرُ).

كَمَا أنَّ الحُكُومَةَ المِصْرِيَّةَ تَكَفَّلَتْ بِطَبْعِ (عُلُومِ الحَدِيثِ) لِلْحاكِمِ و (إعْرَابِ ثَلَاثِينَ سُورةٍ) لِابْنِ خَالَوَيْه، معَ شِدَّةِ وكَلَفَةِ النَّفَقَةِ علَى الطَّبْعِ حِينَئِذٍ وقِلَّةِ أرْزَاقِ الخَلْقِ، لكِنْ كَانَ لِلْحُكُومَةِ مُشَارَكَةٌ في ذلِكَ.

وكَانَ لِحُكُومَةِ حَيْدَرْ آبَادَ مِنْ مُلُوكِ آلِ عُثْمانَ ـ وهُمْ غَيرُ العُثْمانِيِّينَ أهلِ تُرْكِيَا ـ كانَ لَهُمْ مِنَّةٌ علَى الأُمَّةِ الإسْلَامِيَّةِ بِنَشْرِ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ، مِنهَا: (السُّنَنُ الكُبْرَى) لِلْبَيْهَقِيِّ و (التَّاريخُ الكَبيرُ) و (الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ) و (الأنْسَابُ) لِلسَّمْعَانِيِّ وكُلُّهَا طُبِعَتْ علَى نَفَقَةِ آلِ عُثْمَانَ مُلُوكِ الدَّكَنِ الَّذينَ سَقَطَتْ دَوْلَتُهُمْ سَنَةَ ثَمَانِينَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِئَةِ والألْفِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ زِيَارَةَ هَؤُلَاءِ العُلَماءِ مِنْ أهْلِ مِصْرَ تُمَثِّلُ إحْيَاءً لِلتَّوَاصُلِ العِلْمِيِّ بَيْنَ عُلَماءِ البُلْدَانِ الإسْلَامِيَّةِ، وقَد انْتَفَعَ عُلَماءُ دَائِرَةِ المَعَارِفِ لِلُقِيِّ إخْوَانِهِمْ ولَهُمْ رَغْبَةٌ في طُولِ إقَامَتِهِمْ

وإذَا حِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ تَطْوِيلِ الإقَامةِ فَلَا أقَلَّ مِنْ أنْ يَبْقَى الاتِّصَالُ بَيْنَهُمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا دَأَبَتْ عَلَيْهِ الدَّائِرَةُ مِنْ مَنْهَجِهَا في إحْيَاءِ التَّواصُلِ معَ العُلَماءِ في مُكاتَبَتِهِمْ لِلْمُشاوَرَةِ حَوْلَ الكُتُبِ الَّتي يَنْبَغي أنْ تُطْبَعَ، وبِمِثْلِ هذِه المُشاوَرَةِ طُبِعَتْ كُتُبٌ نافِعَةٌ في دائِرَةِ المَعارِفِ وفي غَيْرِها.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015