فَمِنَ الواجبِ أنْ تكُونَ المَدَارِسُ الإِسْلامِيَّةُ والمعَاهِدُ العِلْمِيَّةُ في العَالَمِ كُلِّهِ علَى صِلَةٍ بِالْأَزْهَرِ الْمَعْمُورِ وتُواصِلَ بينَها لتَوْحيدِ نِظامِ التَّعليمِ علَى حَسَبِ ما تقْتَضِيهِ الدَّواعِي العَصْرِيَّةُ، فمِنَ المؤْسِفِ أنْ نَرَى بَعْضَ المدارِسِ لَا تَزَالُ تَشْغَلُ طلَبتَها بِعلْمِ الكلَامِ والطَّبِيعَةِ علَى مَا كانَ مَألُوفًا مُنذُ أَلْفِ سَنَةٍ، وتشْغَلُهُمْ في النَّحْوِ والصَّرْفِ بِالكُتُبِ الَّتي أُلِّفَتْ قَبْلَ مِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ، فرُبَّما مكَثَ الطَّالِبُ سِنينَ في المدْرَسةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنهَا كَيوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ!.
ولَوْ وُثِّقَتِ الرَّوابِطُ بينَ الجوامِعِ والمَدارِسِ لَاسْتفَادَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وانتَفَعَ جَميعُهَا بِمَا يَهتَدِي إليه بَعْضُهَا، فَتَكُونُ يَدًا واحِدَةً علَى تَرْقيةِ العِلْمِ ونَشْرِهِ، واخْتِيَارِ الطُّرُقِ الصَّحيحَةِ القَرِيبَةِ الفائِدَةِ.
وحالُ المَطَابِعِ وخَزَائِنِ الكُتُبِ علَى هذَا القِيَاسِ، فكَمْ مِنْ مَطبَعَةٍ تَظْفَرُ بِنُسْخَةٍ ناقِصَةٍ مِنْ كِتَابٍ تُريدُ طَبْعَهُ، وقَدْ يكُونُ ذلِكَ الكِتابُ في بَعْضِ المكاتِبِ في قُطْرٍ آخَرَ، أَوْ في ملكِ أَحَدِ العُلَمَاءِ، ولكِنَّ عدَمَ التَّوَاصُلِ يَحُولُ بَينَ المَطْبَعةِ وبَينَ العِلْمِ بِذلِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَطْبَعَهُ نَاقِصًا، فَيكُونُ في ذلِكَ مَضرَّةٌ عَظيمَةٌ؛ لِأَنَّ المَطابِعِ الأُخْرَى تُعْرِضُ عَنْ طَبْعِهِ مَرَّةً أُخْرَى، مَخافَةَ الخَسَارةِ المَالِيَّةِ؛ وإِمَّا أَنْ تُهْمِلَ طَبْعَهُ، وقَدْ يُؤَدِّي ذلِكَ إِلَى تَلَفِهِ، وعَلَى الأَقَلِّ إِلَى تَأْخِيرِ الفَائِدَةِ المَرْجُوَّةِ مِنْ نَشْرِهِ.
إِنَّنَا بِهذِهِ المُنَاسَبَةِ نُعْلِنُ شُكْرَنَا لِلْحُكُومَةِ المِصْرِيَّةِ الجَليلَةِ والخِزَانَةِ الخِديوِيَّةِ، فَإِنَّنَا بِالمُواصَلَةِ معَهَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَسْتَفيدَ ونُفيدَ العِلْمَ وأَهْلَهُ فَوائِدَ عَظِيمَةً، فَمِنْ ذلِكَ:
* أَنَّها أَفْضَلَتْ علَيْنَا بِإِرْسَالِ نُسْخَةٍ مِنَ " السُّنَنِ الكُبْرَى " لِلْبَيْهَقِيِّ رحمهُ الله تعالَى، أَخَذَتْها مِنَ النُّسْخَةِ المَحْفُوظَةِ فِيهَا بِالتَّصْويرِ الشَّمْسِيِّ.
* وكذلِكَ بِنُسْخَةٍ مِنَ (التَّاريخِ الكَبِيرِ) لِلْبُخَارِيِّ رحمهُ اللهُ تَعالَى.
* ونُسْخَةٍ مِنَ (الأَرْبَعينَ في أُصُولِ الدِّينِ) لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ!.
* وتكَفَّلَتْ لنَا بِطَبْعِ (عُلُومِ الحدِيثِ) لِلْحاكِمِ رحمهُ اللهُ تَعالَى، و (إِعْرابِ ثَلَاثينَ سُورَةً) لِابْنِ خَالَوَيْه رحمهُ اللهُ تعالَى، وغَيرِ ذلِكَ.
ولَا نَزَالُ نَستَفيدُ مِنْها، وسَوْفَ تَبْقَى مُواصَلَتُنَا مَعَهَا مُسْتَمِرَّةً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى.
وكذلِكَ حاوَلْنَا أَنْ نَسْتَفِيدَ مِنَ الأَزْهَرِ المَعْمُورِ، وبعْضِ أكابِرِ العُلَماءِ بِمِصْرَ، فَكَاتَبْنَاهُمْ لِاقْتِبَاسِ رَأْيِهمْ في الكُتُبِ الَّتي يَنْبَغِي طَبْعُهَا، فتَفَضَّلُوا علَيْنَا بِآرائِهِمْ في ذلِكَ، كما أَثْبَتْنَاهُ في (بَرْنَامَجِ الجَمْعِيَّةِ)، بلْ وكاتَبْنَا في ذلِكَ أكثَرَ مشَاهِيرِ عُلَمَاءِ العَالَمِ، ووَرَدَتِ الأَجْوِبَةُ مِنْ بَعْضِهِمْ كَمَا أُثْبِتَ فِي (البَرْنَامَجِ).
وبِالجمْلَةِ فجَمْعِيَّتُنَا هذِهِ مَدينَةٌ لِلْحُكومَةِ المِصْرِيَّةِ وعُلَمَاءِ مِصْرَ أَعظَمَ الدَّيْنِ، ولَنْ يَزَالَ اتِّصَالُنَا بِهمْ مُسْتَمِرًّا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى، ونَسْأَلُ اللهَ تَبارَكَ وتَعالَى أَنْ يَجزِيَهُمْ عَنَّا وعَنِ العِلْمِ وأَهْلِهِ أَفْضَلَ الجزَاءِ.
هذَا مِثالٌ مِنْ أَمثلَةِ التَّوَاصُلِ العِلْمِيِّ بَينَ الدَّوائِرِ العِلْمِيَّةِ ومَا يَنطَوِي علَيْهِ مِنَ الفَوائدِ العَظيمَةِ، وَالحاجَةُ داعيَةٌ إلَى تَوْسِيعِ نِطاقِ التَّواصُلِ، ولَا سِيَّما بِتَبَادُلِ بَعْضِ الوُفُودِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، ومِنْ بلَدٍ إِلى بلَدٍ، ومِنْ مدْرسَةٍ إِلَى مَدرسَةٍ.
¥