فَذَكَرَ المُصَنِّفُ أنَّ عُلَماءَ الدِّينِ يَحتَاجُونَ إلَى إيجَادِ طُرُقٍ تُقَرِّبُ المَسَافَةَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ المُتَعلِّمينَ لِلْعُلُومِ الحديثَةِ؛ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ طَريقَةَ الشَّريعةِ في بَيانِ أحْكامِهَا ووَضْعِ حَقَائِقِهَا وتَرْتِيبِ مَآخِذِ الدِّينِ مِنْها.
ومِنْ أحْسَنِ مَنْ ألَّفَ وَفْقَ ما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنْ مَقْرَبٍ: العَلَّامةُ ابنُ سعدِيٍّ رحمهُ الله تَعَالَى؛ فَإنَّهُ ألَّفَ رَسَائِلَ تَتَعلَّقُ بِالرَّدِّ علَى المَادِّيِّينَ وبَيَانِ اشْتِمالِ الدِّينِ علَى العُلُومِ والمَعارِفِ، وأنَّ الدِّينَ يَدْعُو إلَى الاسْتِفَادَةِ مِنَ العُلُومِ العَصْرِيًّةِ المُكْتَشَفَاتِ الحَديثَةِ، فَهُوَ مِنْ أحْسَنِ المُتَأخِّرينَ إنْ لَمْ يَكُنْ أحْسَنَهُمْ علَى الإطْلَاقِ في إيضَاحِ هذَا الأصْلِ وبَيَانِه، وذِكْرِ مَا انْتَظَمَ في الشَّريعَةِ مِن الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، والتَّعْريفِ بِأنَّ العُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ لا تَقِلُّ دَرَجَةً عَنْ هذِه العُلُومِ العَصْرِيَّةِ، لا كَمَا أوْهَمَهُ دُعاةُ المَادِّيَّةِ مِنْ أنَّ عِلْمَ الدِّينِ عِلْمٌ جَامِدٌ لَيْسَ فِيه فَهْمٌ ولا إدْراكٌ ولا تَحْقِيقٌ.
فَبَيَّنَ رحمهُ الله تَعَالَى في رَسَائِلَ عِدَّةٍ مَنْزِلَةَ عُلُومِ الدِّينِ، وأنَّها بِالمَقَامِ الأعْلَى مِنَ التَّحْقِيقِ والبَحْثِ الإدْرَاكِ والاجْتِهَادِ، لا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ ـ حَتَّى اليَوْمَ ـ المُشْتَغِلُونَ بِعُلُومِ الدُّنْيَا،
ويَظُنُّونَ أنَّ عِلْمَ الدِّينِ عِلْمٌ يَسِيرٌ.
ولَوْ أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ في الاجْتِهَادِ في مَسْألَةٍ فِقْهِيَّةٍ أوْ تَحريرِ حَديثٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن المسَائِلِ لَعَرَفَ مَشَقَّةَ الاجْتِهَادِ فيهِ، وأنَّ الاجْتِهَادَ في إنْجَازِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيِّةٍ أهْوَنُ بِكَثيرٍ مِنَ الاجِتِهَادِ في مَسْألَةٍ عِلْمِيَّةٍ؛ لَكِنَّ الاغْتِرارَ بِالعُلُومِ الَّتي يُعَظِّمُهَا النَّاسُ لِأجْلِ الدُّنْيَا يُوَلِّدُ مِثْلَ هذَا، ومَنْ مارَسَ مِنهُمْ العُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ وَقَفَ علَى ذلِكَ.
ثُمَّ نَبَّهَ إلَى أنَّ حَسْمَ دَاءِ الإلْحادِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِهَذَا أمَّا تَكْفِيرُ أبْنَاءِ المُسْلِمينَ الَّذينَ تَأثَّرُوا بِتِلْكَ الدَّعَواتِ فإنَّهُ لا يَزيدُ الدَّاءَ إلَّا شِدَّةً وإعْضَالًا.
ومَثَلُه مَثَلُ رَجُلٍ ظَهَرَ بِأصَابِعِه داءٌ فَقَطَعَه، ثُمَّ ظَهَرَ داءٌ آخَرُ في إصْبَعٍ آخَرَ فَقَطَعَهُ، فَصَارَ يَقْطَعُ مَعَ كُلِّ داءٍ عُضْوًا مِنْ أعْضَائِه، ومِثْلُ هذَا لا تَصْلُحُ بِه حالُه وإنَّمَا تَصْلُحُ بِهِ الحالُ بِالوِقايَةِ مِنْ تِلْكَ الأدْواءِ بِبَيَانِ الحقِّ في تِلْكَ المَسَائِلِ.
*******
ــــــــــــــــــــــ
(1) وَقَعَ في النُّسْخَةِ المَطْبُوعَةِ في المَوْضِعِ الأَوَّلِ: (مسيب)، وفي الثَّاني: (هييب)، وفي " تَعْجيلِ المنْفَعةِ " المَطبُوعِ بمَطبعتِنا ـ دائِرةِ المَعارِفِ ـ: (منيب) ذكَرهُ بَعدَ منْصُور.
(2) كذَا في (المسنَدِ) المطْبُوعِ، وفي (تَهذيبِ التَّهذيبِ) المطْبوعِ بِمَطْبعتِنَا ـ دائرةِ المعَارِفِ ـ: (أبُو سَعْد الأَعْمَى)، وفي (تَعْجيلِ المنْفَعةِ): (أبُو سَعْد، ويُقَالُ: أبُو سَعيدٍ).
ـ هاتان الحاشيتان منْ الأَصْلِ ـ
ـ[أبو محمد فضل بن محمد]ــــــــ[05 - 04 - 2010, 09:52 م]ـ
البسملة1
المعلّميّ رحمهُ اللهُ تعالى:
وهذَا مَوْضُوعٌ واسِعٌ، أَكْتَفي بِالإِلْمَاعِ إِلَيْه، وَأَهَمُّ مِنْ ذلِكَ حالُ الجوامِعِ والمَدَارسِ والدَّوائِرِ العِلْمِيَّةِ، فَإِنَّ احْتِيَاجَهَا إِلَى التَّوَاصُلِ والتَّعَاوُنِ أَشَدُّ، لِأَنَّ النَّقصَ في بَعضِهَا يضُرُّ الأُمَّةَ جَمعاءَ، خُصُوصًا في هذَا العَصْرِ الَّذِي اضْطَربَتْ فيه نُظُمُ التَّعليمِ، واحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى التَّغيِيرِ فيهَا والتَّبْديلِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيه المصْلَحةُ.
¥