ملتقي اهل اللغه (صفحة 7846)

ومِن عَجيبِ التَّقريرِ أنَّ آلةَ التَّواصُلِ زادَتْ إمكاناتُها وضَعُفَ إعمالُها؛ فاليَومَ يُمكِنُ أن يَتَواصلَ الإنسانُ بِمُختَرَعاتٍ هيَ أسرعُ ممَّا كانَ عليه منْ تأخَّرَ قبلَ سِنينَ فاليَومَ يُمكِنُ التَّواصُلُ في لَحظاتٍ بِـ (البَريدِ الإلِكترُونِيِّ) أو بِـ (الفاكْسِ) أو غَيرِهِما، ومعَ ذلِكَ فإنَّ التَّواصُلَ بَينَ النَّاسِ ضَعيفٌ؛ لِأنَّ المحَّرِكَ القَلْبِيَّ ضَعيفٌ؛ وإذَا ضعُفَ المحرِّكُ القَلْبِيُّ لمْ تَنفعِ الآلاتُ المحيطةُ بِالمرْءِ.

ثُمَّ ذَكرَ حالَ العُلَماءِ لَمَّا ضَعُفَ بَينَهُمْ هذَا الأصلُ؛ فكمْ مِن عالِمٍ أخطَأَ في مَسأَلةٍ ولمْ يَهْتَمَّ بِه إخوانُه بِأن يَزُوروهُ ويُذَاكِرُوهُ أو يُكاتِبُوه وغايَةُ ما يَصْنَعُ أحدُهُم أنْ يَنشُرَ اعتِراضهُ في مجلَّةٍ أو رِسالةٍ يُشَنِّعُ على ذلِكَ العالِمِ، وهذَا مِنَ الآثارِ السَّيِّئَةِ لِلْإعلامِ؛ فَإنَّ الإعلامَ أخرَجَ أحوالَ أهلِ العِلْمِ عِندَ بَعضِهِم عمَّا يَنبَغي أن تَكُونَ علَيهِ كما يَراهُ المَرْءُ أحيانًا مِنَ الرُّدُودِ الَّتي تَكُونُ بَينَ أهلِ العِلْمِ منشُورةً في صَفَحاتِ الجَرائِدِ.

واللَّائِقُ بِالعِلْمِ الكامِلِ والعَقْلِ التَّامِّ أنْ لا تَكُونَ مِثلُ هذِه الوسائِلِ الَّتي يَقْرَؤُها الحاجُّ والدَّاجُّ والصَّغيرُ والكَبِيرُ والعاقِلُ والأبلَهُ مَحلًّا لِخِلافِ العُلَماءِ، بلْ يَتَكاتَبُ العُلماءُ فِيما بَينَهُمْ ويَعرِضُ كلُّ وَاحِدٍ مِنهُمْ حُجَّتَهُ على صَاحِبِه؛ فإنِ اتَّفَقا وإلَّا عَذَرَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما أخاهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَظَاهِرِ ذَلِكَ وُجُودُ مَسَائِلَ يُفْتَى بِها في كُلِّ بَلَدٍ بِشَيْءٍ ولَوْ وُجِدَتِ المُواصَلَةُ بَيْنَ العُلَماءِ لَارْتَفَعَ هذَا الخَبْطُ، وقَدْ هَدَى الله مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ إلَى الدَّعْوَةِ إلَى فِكْرَةِ التَّجَمُّعاتِ الفِقْهِيَّةِ الَّتي تُسَمَّى بِاسْمِ: (الهَيْئَةِ) أوِ (اللَّجْنَةِ) أوِ (المَجْمَعِ الفِقْهِيِّ)؛ فَصَارَتْ سَبِيلًا لِلتَّوَاصُلِ بَيْنَ العُلَماءِ.

كانَ مِنَ الحَسَنَاتِ الكَبِيرَةِ لِلْمَلِكِ خالِدٍ رحمهُ الله تَعَالَى: إنْشَاءُ (مَجْمَعِ الفِقْهِ الإسْلَامِيِّ) الَّذِي عُرِفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْمِ: (المَجْمَعِ الفِقْهِيِّ الإسْلَامِيِّ الدُّوَلِيِّ)، وهَيَّأَ الله عَزَّ وجَلَّ بِتَوْفيقِه أنْ جَعَلَ علَى رِئَاسَتِهِ مِنْ أوَّلِ وَهْلَةٍ رجُلًا عالِمًا يَعْرِفُ أهَمِّيَّةَ عَرْضِ هذِه المَسائِلِ المُشْكِلَةِ والبَحْثِ فيهَا، وهُوَ العَلَّامةُ بَكْر أبُو زَيدٍ رحمهُ الله تَعَالى.

فَكانَ المَجْمعُ الفِقْهِيُّ أُنْمُوذَجًا احْتُذِيَ بِهِ في إنْشَاءِ تِلْكَ التَّجَمُّعاتِ حَتَّى في البُنُوكِ؛ فَإنَّ اللِّجانَ البَنْكِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّما هِيَ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ فِكْرَةِ (المَجْمَعِ) الَّذي يَجْتَمِعُ فِيه عُلَماءُ مُتَفَرِّقُونَ مِنْ بُلْدَانٍ عِدَّة ثُمَّ يَبْحَثُونَ في مَسْألَةٍ مِنَ المَسَائِلِ ويُصْدِرُونَ قَرَارًا فِقْهِيًّا في

ذَلِكَ؛ فَكانَ فيه سَدُّ شَيْءٍ مِنَ الحَاجَةِ المَوْجُودَةِ في الأُمَّةِ بِبَيَانِ أحْكامٍ تَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ جَدِيدٍ.

فَلَمَّا وُجِدَتْ هذِه المَظَلَّةُ الَّتي يَجْتَمِعُ تَحْتَها العُلَماءُ ويَتَواصَلُونَ ويبْحَثُونَ فيهَا خَرَجَتْ هذِه المَجامِعُ ـ ولا سِيَّما (مَجْمَعُ الفِقْهِ الإسْلَامِيِّ) ـ بِأنْواعٍ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ تَهَيَّأتْ بِمِثلِ هذَا التَّواصُلِ.

ثُمَّ نَبَّهَ رحمهُ الله تَعَالَى إلَى الحاجَةِ إلَى التَّواصُلِ أنَّها مُتَأكِّدَةٌ مَعَ شُيُوعِ وَباءِ الإلْحادِ الَّذي انْتَشَرَ في البِلَادِ الإسْلَامِيَّةِ بِظُهُورِ الفِكرِ الشُّيُوعِيِّ؛ فَعَظَّمَ النَّاسُ عُلُومَ الدُّنْيَا، وتَأثَّرَ هؤُلاءِ بِدَعْوةِ المادِّيِّينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الدِّينَ حَاجِزًا عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ، وانْبَهَرَ بِدَعْوَتِهِمْ مَنِ انْبَهَرَ مِنْ أبْناءِ الإسْلَامِ مِمَّنْ دَرَسَ العُلُومَ العَصْرِيَّةَ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015