ملتقي اهل اللغه (صفحة 7845)

وكَمْ مِنْ عَالِمٍ أَخْطَأَ في مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يَهتَمَّ إِخْوانُه منَ العُلَماءِ بِأَنْ يَزُورُوهُ ويُذاكِروهُ فيهَا، أَوْ يكاتِبُوهُ في شَأْنِها، بَلْ غَايةُ ما يَصنَعُ أَحدُهُم أَنْ يَنشُرَ اعْتراضَهُ في مَجلَّةٍ أَوْ رِسَالَةٍ يُشَنِّعُ علَى ذلِكَ العَالمِ ويُجهِّلُه أَوْ يُبدِّعُه ويكفِّرهُ، فَتكُونُ النَّتيجَةُ عَكْسَ المطْلُوبِ.

وكَمْ منْ مسَائِل يُفتَى فِيهَا بِمِصْرَ بِشَيْءٍ، وَبِالشَّامِ بِخِلافِه، وفي الهِنْدِ بِخِلافِ ذلِكَ، ولَوْ كانَتِ الموَاصَلاتِ جَاريَةً بَينَ العُلَماءِ لَمَا وقَعَ هَذَا الخبْطُ الشَّديدُ الَّذي يُوَسِّعُ خَرْقَ الافْتِراقِ وَيَؤُولُ إِلَى النِّزَاعِ والشِّقَاقِ.

وعُلَماءُ الدِّينِ أَحوَجُ النَّاسِ إِلَى التَّواصُلِ والتَّعاوُنِ خُصُوصًا في هذَا العَصْرِ الَّذِي تَفَشَّى فيهِ وبَاءُ الإِلْحادِ، وقِلَّةُ الرَّغْبةِ في العُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَلْ كادَتْ تعُمُّ النُّفْرةُ عَنهَا، واسْتَغْنَى كلُّ أَحدٍ بِرَأْيِهِ.

فَعُلَماءُ الدِّينِ مُفْتَقِرُونَ إِلَى التَّعاوُنِ لإِيجادِ طُرُقٍ تُقَرِّبُ المَسَافَةَ بَيْنَهمْ وبَينَ المُتعلِّمينَ العُلُومَ الحديثَةَ، وتُجَلَّى فيهَا المسَائلُ الدِّينِيَّةُ في مَعَارِضَ تَتَّفِقُ وطَريقِ التَّفْكير العَصْرِيِّ، فَيُسْتَطَاعُ بِذلِكَ إِيقَافُ الوَباءِ عَن زِيَادَةِ الانْتشَارِ، ومُعَالَجةُ المرْضَى، بَلْ والدِّعايَةُ المُثْمِرةُ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.

فَأَمَّا الدَّواءُ المعْرُوفُ الآنَ ـ وهُوَ التَّكْفيرُ والتَّضْليلُ ـ فَإِنَّهُ لَا يَزيدُ الدَّاءَ إِلَّا إِعْضَالًا، ومَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ ظَهَرَ بِبَعْضِ أَصَابِعهِ بَرَصٌ فقَطعَهَا! فظَهرَ البرَصُ بِأُخْرَى فَقَطَعهَا!! فَقيلَ لَهُ: حَنَانَيْكَ

قَبلَ أَنْ تَقْطعَ جَميعَ أَعضَائِكَ!

العصيمي حفظه الله تعالى:

ذَكرَ المصنِّفُ رحمهُ الله تعالَى في هذِه الجُملَةِ ما كانَ علَيه الصَّدرُ الأوَّلُ ممَّن يُنفِقُ مالَه في تَحصيلِ الرِّحلةِ لِلاجتِماعِ بِعالِمٍ مِن العُلماءِ.

وقدْ وَرِثَ ابنُ مَعينٍ رحمهُ الله تعالَى عنْ أبيه ألفَ ألفِ دِرهمٍ أي ما يُسَمَّى بِلِسانِ العَصرِ (مِليونًا) ثُمَّ أنفَقَها في الرِّحلَةِ في الطَّلَبِ رحمهُ الله تعالَى.

وكانُوا يَركَبُونَ الأهْوالَ ويُغامِرُونَ بِأنفُسِهِم لِمُواصلَةِ العُلماءِ في البُلْدانِ الأُخرَى، ورُبَّما رَكِبُوا هَوْلَ البَحرِ لأَجلِ حديثٍ واحدٍ؛ كما ارتَحلَ أبُو أيُّوبَ الأنصاريُّ رضيَ الله عنهُ إلى عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ رضيَ الله عنهُ لِيَسألَه عنْ حديثٍ سَمعَه هُو مِن رسُولِ الله صلَّى الله عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لم يبقَ أحدٌ غيرُه وغيرُ عُقبةَ سَمِعهُ مِن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلَى آلِه وسلَّمَ.

فارتَحلَ إليه لِيسْتَثْبِتَ مِن صِحَّةِ حِفظِه ولِيثِقَ بِما يَسْتَحْضِرُه من مَتنِه، فَوافقَه عُقْبةُ رضيَ الله عنهُما علَى ذلِكَ، ورجَعَ رضيَ الله عنهُ وهُوَ لمْ يَحِلَّ عِقالَ رَحلِه.

فدَخلَ وسلَّمَ على مَسلَمةَ بنِ مَخلَدٍ أميرِ مصرَ وسألَه الدِّلالَةَ علَى بَيتِ عُقبةَ رضيَ الله عنهُ، فدلَّه عليه فخَرَجَ إليه واعْتَنَقَهُ ثُمَّ سَألهُ عنْ هذَا الحَديثِ ثمَّ رجَعَ إلى رَحلِه وخرَجَ مِن مِصرَ ساعتَه.

وفي كِتابِ الرِّحلَةِ لِلخَطيبِ البَغْدادِيِّ أخبارٌ أُخرَى مِن هذَا الجِنْسِ.

ثُمَّ ذَكرَ أيْضًا ارتِحالَ الرَّجُلِ الَّذي جاءَ إلى أبي الدَّرداءِ رضيَ الله عنهُ لِيسْألَه في حديثٍ بَلَغَه أنَّهُ يُحدِّثُ به عنْ رسُولِ الله صلَّى الله عليه وعلَى آلِه وسلَّمَ؛ فارتَحلَ هذِه المسافةَ بَينَ البِلادِ الشَّامِيَّةِ والبِلادِ الحِجازِيَّةِ لِأجلِ حديثٍ واحدٍ.

هكذَا كانتْ حالُهُم، أمَّا حالُ النَّاسِ اليَوْمَ فكَما ذَكرَ: (فَأصبَحَ أحدُنا يتَثَاقلُ عنْ بِضعِ خُطواتٍ يَمْشيهَا إلَى عالِمٍ، أو يَضِنُّ بِبِضعةِ أفْلُسٍ يَبتاعُ بِها طَوابِعَ لِلبَريدِ لِيكتُبَ إلَى عالِمٍ).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015