وقَدْ رأيْنا عُلماءَ وقَفُوا بِالتَّواصُلِ معَهُم علَى عقيدَةِ أهلِ السُّنَّةِ والجمَاعةِ، واطَّلَعُوا بِمُعاملَتِهم علَى أدبِ أهلِ هذِه البِلادِ، لا كما غُرِسَ في صُورِهم منذُ الصِّغرِ مِن وصفِهمْ بِالجفاءِ وأخلاقِ البادِيَةِ، ثُمَّ كانَ ذلِكَ سَببًا في اهتِداءِ جَماعةٍ مِنهُم إلى طَريقةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رحمهُم الله تعالَى وانتَفَعَ النَّاسُ بِهم في بُلْدانِهم.
والمقصُودُ هُو الإرشادُ إلَى عدَمِ التَّفريطِ في هذَا الأصلِ معَ تَيَسُّرِ طُرُقِ المواصَلةِ فيهِ.
ـ[أبو محمد فضل بن محمد]ــــــــ[05 - 04 - 2010, 09:24 م]ـ
البسملة1
المعلميُّ رحمه الله تعالى:
ولَقدْ كانَ العالِمُ يَبيعُ ضَنَائِنَه لِكَيْ يَتَزَوَّدَ لِسَفَرٍ بَعيدٍ لِيَجْتَمعَ بِعَالِمٍ آخَرَ، وكَثيرًا ما كانَتْ تَعرِضُ لَهُمْ المَشَاقُّ الشَّديدَةُ في البَرِّ والبَحْرِ، ويُعَرِّضُونَ أَنْفُسَهُم لِلْمَهالِكِ؛ كُلُّ ذلِكَ رَغبةً في العِلْمِ.
حَتَّى لَقدْ كانَ بَعضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنهُمْ يُسَافِرُ مِنَ المدينَةِ إِلَى مِصْرَ لِيَجتَمعَ بِصَحَابِيٍّ آخَرَ هُنالِكَ لِيَسْتَثْبِتَهُ في حَديثٍ وَاحِدٍ سَمِعَاهُ مَعًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ!.
فَفِي (مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمدَ رحمهُ الله) (ج:4، ص:62) و (ج:5، ص:375) مِنْ طَريقِ عَبْدِ الملِكِ ابْنِ عُمَيْر عَنْ مُنِيبٍ ([1] (http://www.ajurry.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=20580#_ftn1)) عَنْ عَمِّهِ قَالَ: بَلَغَ رَجُلًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ أَنَّه يُحَدِّثُ ... ، فَرَحَلَ إِلَيْه ـ وهُوَ بِمِصْرَ ـ فَسَأَلهُ عَنِ الحدِيثِ، فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ سَتَرَ أَخاهُ المُسْلِمَ في الدُّنْيَا سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ))، قَالَ: وأَنَا سَمِعْتُه مِنَ النَّبيِّ صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ.
وفي (المسْنَدِ) أَيْضًا (جِلْد:4، ص:153) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ ([2] (http://www.ajurry.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=20580#_ftn2)) يُحدِّثُ عَنْ عَطاءٍ قَالَ: رَحَلَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ... ، فَأَتَى عُقْبَةَ فَقَالَ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبيِّ صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ سَتَر عَلَى مُؤْمِنٍ في الدُّنْيَا سَتَرهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ))، فَأَتَى رَاحِلَتَهُ فَرَكِبَ ورَجَعَ، وعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ كَانَ بِمِصْرَ.
لَمَّا بَلَغْتُ إِلى هُنا انْتَبَهْتُ لِاتِّفَاقٍ عَجيبٍ، وهُوَ أَنَّ الآثارَ الَّتي اسْتَشْهَدتُ بِها تَدُورُ علَى مِصْرَ، فَـ (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) مِصْرِيٌّ، و (الشَّافِعِيُّ) اسْتَوْطَنَ مِصْرَ، والأَثَرَانِ اللَّذانِ نَقلتُهُما عَنِ المسْنَدِ
كَانَتِ الرِّحْلةُ فيهمَا إِلَى مِصْرَ، و (المسْنَدُ) طبع مِصْرَ، وكِتَابَا " تَهذيبِ التَّهْذيبِ) و (تَعْجيلِ المنْفَعَةِ) كِلاهُما مِنِ تَأْليفِ الحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ المِصْرِيِّ!!.
وَفي " سُنَنِ أَبي دَاودَ " وغَيرهَا عَنْ كثير بْنِ قَيسٍ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ أَبي الدَّرْدَاءِ في مَسجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَه رجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدينَةِ رسُولِ الله صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ لِحدِيثٍ بَلَغَني أَنَّكَ تُحدِّثُه عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله علَيْه وعلَى آلِه وسَلَّمَ، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ ـ يَعْني غَير ذلِكَ ـ.
هَكذَا كَانَ القَوْمُ، فَأَصْبَحَ أَحَدُنَا يَتَثَاقَلُ عَنْ بِضْعِ خُطُواتٍ يَمْشيهَا إِلَى عَالمٍ، أَوْ يَضِنُّ بِبضْعَةِ أَفلُسٍ يَبْتَاعُ بِها طَوَابِعَ لِلْبَريدِ لِيكتُبَ إِلى عالِمٍ!.
¥