وهكذَا صارَ الحجُّ أيْضًا يرِدُ إليه كثيرٌ مِن العُلماءِ ثُمَّ لا يَقَعُ لهُمْ اجتِماعٌ بِأحدٍ مِن عُلماءِ الحرَمَينِ، فلا يَرجِعُونَ بِكَبيرِ فائِدةٍ في العِلمِ، معَ أنَّ الحجَّ يَجمعُ العُلماءَ مِن أقطارِ الدُّنْيا ورُبَّما لا يُمكِنُ جَمْعُ العُلماءِ في مَوْضِعٍ كما يَجتَمِعُونَ في الحجِّ؛ إذ العادةُ جارِيَةٌ أنَّ الغالِبَ أنَّ عُلماءَ كُلِّ بَلدٍ يَكُونُ مِنهُم جماعةٌ يَحُجُّونَ في كلِّ نُسُكٍ سَنَوِيٍّ.
وكانَ مِن عادةِ حملَاتِ البُلْدانِ الماضِيَةِ أنَّ مَن يَخْرُجُ مِن البَلَدِ يَخْرُجُ في قافِلةٍ، وتِلْكَ القافِلَةُ يَكُونُ لها أميرٌ ومَعها عُلماءُ، فلا بُدَّ أن يَرِدَ الحَجَّ عُلماءُ مِن كلِّ ناحِيَةٍ.
ومَن تأمَّلَ حالَ مَن سَبقَ مِن أهلِ العِلمِ وكَيْفِيَّةِ اسْتِفَادَتِهِم مِن الحَجِّ في لُقِيِّ العُلماءِ ثُمَّ ما صارَ عليه النَّاسُ اليَوْمَ مِن الزُّهْدِ في هذَا وعدَمِ العِنايَةِ بِه يَعْرِفُ الفَرْقَ بَينَ هذَا وهذَا.
وقَدْ يَتَحقَّقُ في الحَجِّ ما لا يَتَحقَّقُ في غيرِه؛ فَلَوْ أنَّ إنسانًا أرادَ أن يَرْتَحِلَ إلى فِلسْطِينَ مثلًا لم يُمكِنْهُ ذلِكَ لِتَسَلُّطِ اليَهُودِ عليها، ولكِنْ إذَا هَيَّأ الله له رُشْدًا وفَتَحَ لهُ فَهْمًا الْتَقَى بِعُلماءِ تِلْكَ النَّاحيَةِ في مَوْسِمِ الحَجِّ فإنَّهُم يأتُونَ إليها، وقَدْ يأتي أحدُهُم مرَّةً واحِدةً في عُمُرِه، فإذَا رُزِقَ الإنسانُ سَعْدًا وساعَدهُ التَّوفيقُ فازَ بِلُقِيِّ مِثلِ هؤُلاءِ.
فيَنبَغِي أن يَعتَنِيَ طالِبُ العِلمِ بِأمرِ الحَجِّ ومُلاحَظةِ لُقِيِّ العُلماءِ فيهِ، وأن يَكُونَ مِن اهْتِمامِه ـ معَ أداءِ مَنَاسِكِه ـ أن يَلْتَمِسَ في مُخَيَّماتِ الحُجَّاجِ العُلَماءَ.
وممَّا سَهَّلَ هذَا أنَّ كلَّ دَوْلةٍ انْحازَتْ إلى جِهةٍ فيُمكِنُ أن يَأتيَ إلى المواقِعِ المُخَصَّصةِ لِأهلِ تِلْكَ الجِهَةِ ثُمَّ يسْألَ عن العُلماءِ فيها ويَلْتَقِيَ بِهمْ.
ثُمَّ ذَكرَ رحمهُ الله تعالى أنَّ هذَا الأمرَ وقَعَ ـ مِن قَطعِ الصِّلةِ بينَ العُلماءِ ـ معَ تَيسُّرِ المواصَلاتِ في هذِه الأعصارِ؛ فالمسافةُ الَّتي كانتْ تُقطَعُ في مدَّةٍ مَدِيدَةٍ صارتْ تُقْطَعُ في مُدَّةٍ يَسيرةٍ، فكانتْ آلافُ الأكيالِ تُقطَعُ في أيَّامٍ ولَيالٍ بلْ في شُهُورٍ في بَعضِ النَّواحي، واليَوْمَ تُقْطَعُ في ساعاتٍ يسيرَةٍ.
وإذَا قَرأتَ ما كَتَبهُ العلَّامةُ سَعد بنُ حَمد بنِ عَتيقٍ رحمهُ الله تعالى في الأهوالِ الَّتي اعْتَرتْ رِحلتَهُ إلى الهِندِ واضْطِرابَ البَحْرِ عليه، وارتِدادَ السَّفينةِ مرَّةً بعدَ إقلاعِها بِمُدَّةٍ لِنشُوءِ رياحٍ قَوِيَّةٍ في البَحرِ ردَّتْها إلى البلَدِ الَّذي أنْشأتْ مِنهُ رِحلَتَها إلى غيرِ ذلِكَ مِن الأهْوالِ الَّتي مرَّتْ به، وكيفَ أنَّهُ قَطَعَ المَسَافَةَ في زمنٍ مَديدٍ، وكيفَ أنَّ اليَوْمَ تُمكِنُ زِيارةُ الهِنْدِ في رِحلَةٍ جَوِّيَّةٍ لا تَتعَدَّى سَاعاتٍ. ثُمَّ نَظَرَ إلى حالِ النَّاسِ في الرِّحلَةِ رأى أنَّ حقيقَةَ الأمرِ لَيسَ على المُقَدَّراتِ، ولكِنَّ حقيقَةَ الأمرِ على الهِمَمِ والنِّيَّاتِ الصَّالِحاتِ؛ فاليَوْمَ عِندَ النَّاسِ قُدْرَةٌ ومالٌ ومُكنةٌ وآلةٌ ولكِنَّ النِّيَّةَ مَشُوبَةٌ والهِمَّةَ ضعيفَةٌ.
فالهِمَّةُ في العِلمِ لا تَتعَدَّى في نَظَرِ بعضِ النَّاسِ أن يَكُونَ مَذْكُورًا، ويَكفيه في الذِّكرِ أن يَأخُذَ عن عُلماءِ بلَدِه، أو يُريدُ بِذلِكَ تَحصيلَ مَنصِبٍ ورِئاسَةٍ فيتَقلَّدُ من الشَّهاداتِ ما يَتوصَّلُ به إلى ذلِكَ.
وهِمَّتُه لا تَتَعدَّى بِنَظرِه بلَدَهُ فهُو يَرى أنَّ في عُلماءِ بلَدِه كِفايَةٌ، ولَوْ كانَ هذَا أصْلًا مُلاحَظًا عِندَ أهلِ العِلمِ لَنُسِخَتِ الرِّحلَةُ عِندَهُم، ولكِنَّهُم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ في الرِّحلةِ تَحصِيلُ زِيَادةِ عِلمٍ وفائِدةٍ.
فَيَنْبغي أن يَحرِصَ طالِبُ العِلمِ علَى الاتِّصالِ بِالعُلماءِ في البُلْدانِ الأُخْرَى بِزيارَتِهِم ومُكاتَبَتِهمْ، والرِّحلةِ إليْهِم.
¥