كما أنَّهُم لا يَنقَطِعُونَ عن الرِّحلَةِ بعدَ الإدراكِ والمُكْنَةِ في العلمِ، بلْ رُبَّما ارتَحلَ أحدُهُم معَ اسْتِواءِ علمِه لِلُقِيِّ العُلَماءِ ومُثافَنَتِهمْ، والاطِّلاعِ على عُلُومِهمْ والوُقُوفِ على مَآخِذِ فَهمِهمْ، ولِإفادَتِهمْ والاسْتِفادةِ مِنهُمْ، وهُوَ بِهذَا يقَرِّبُ نَفسَهُ مِنهُم ويُزيلُ ما قدْ يَقَعُ في نُفُوسِ الخلقِ مِن النُّفْرةِ مِن أحدٍ لاخْتِلافِ البُلْدانِيَّةِ؛ فإنَّ العادةَ جارِيَةٌ أنَّ البَلَدِيَّةَ تُورِثُ العَصَبِيَّةَ؛ فإنَّ كُلَّ أهلِ بَلَدٍ تُطْبَعُ نُفُوسُهُم علَى حُبِّ أرضِهِم ويُورِثُهم ذلِكَ تَقلِيلَ أقدارِ غيرِهمْ.
فإذَا كانَ المدرِكُ للعلمِ يرحَلُ لِلُقِيِّ العُلماءِ فيَطَّلِعُونَ على ما عِندَهُ يَقِفُونَ على مَقادِيرِ العلْمِ في نَفسِ ذلِكَ العالِمِ، ويَطِّلِعُونَ بِواسِطَتِه على مَبلَغِ أهلِ بَلدِه مِنَ العلُومِ؛ فيُزيلُ ذلِكَ كثيرًا مِن العَوادِي الَّتي تَعتَرِي الصِّلةَ بَينَ العُلماءِ.
وأمَّا المكاتَبَةُ فقدْ كانتْ جارِيَةً فيهِم ظاهرَةً بَينهُمْ؛ لِما فيها مِن إحياءِ العلمِ بِمُذاكَرتِهِ، وعَرْضِ مُشكِلاتِه لِيَتَهيَّأَ لِكُلٍّ مِن المتكاتِبَينِ مَعرفةُ الصَّوابِ في مسألةٍ مِن مسائِلِ الدِّينِ، وَكمْ مِن كِتابٍ أُلِّفَ جَوابًا علَى رسالةٍ رُفِعتْ.
وانظُرْ كُتُبَ الشَّوكانِيِّ ـ رحمهُ الله تعالى ـ الَّتي ألَّفَها جوابًا عَن مَسائِلَ رُفِعتْ إلَيهِ مِن أقطارِ الأرضِ المحاذِيَةِ لهُ؛ فإنَّهُ الَّفَ كِتابًا في الجوابِ عَن أسئِلةِ عالمِ (ضَمَد) ـ وهِيَ مِن نَواحِي بِلادِ جازان اليَوْمَ ـ اسمُه: (عِقْدُ الجِيدِ في إجابَةِ أسئِلةِ عالمِ ضَمَد)، كما ألَّفَ كِتابًا في إجابةِ أسئِلةِ عالمِ (رُجالَ) أحمدَ الحِفْظِي رحمهُ الله تعالى، بلْ لهُ رسالةٌ أجابَ بِها عنْ سُؤَالِ بعضِ عُلماءِ (الأحْسَاءِ) اسمُها: (إسبَالُ الكِسَاءِ عَن أسئِلةِ صاحِبِ الأحسَاءِ).
واعتَبِرْ هذَا في غَيرِه مِن العُلماءِ تَجِدْ نَفعَ المكاتَباتِ الَّتي تَجرِي بَينَ أهلِ العلم رحمهُم الله تعالَى، وقدْ كانَ الأمرُ علَى هذَا منذُ القُرُونِ الأولى كما ذَكرَ المصنِّفُ رحمهُ الله تعالَى مِن رسالةِ اللَّيثِ إلى مالِكٍ وما كانَ بينَ الشَّافِعيِّ وعبدِ الرَّحمنِ بنَ مَهْدِيٍّ مِن المكاتَبةِ وما كانَ بَينَ الشَّافِعِيِّ وأحمدَ بنَ حنبلٍ رحمهمُ الله تعالى مِنَ المكاتَباتِ؛ فإنَّ مَعرفَةَ هذَا يَبينُ به مِقدارُ أثَرِ المكاتَبةِ بَينَ أهلِ العلمِ في إثارةِ العلُومِ، وفَتحِ أبوابِ الفَهمِ والدِّلالَةِ علَى الخيرِ.
ومِمَّا يُنبَّهُ إليهِ: أنَّ المصَنِّفَ رحمهُ الله تعالَى ذَكَرَ كِتابَ ابنِ حجَرٍ العَسْقلانِيِّ في مَناقِبِ الشَّافِعِيِّ رحمهُما الله تعالَى وسَمَّاهُ: (تَوالي التَّأسِيسِ)؛ تَبعًا لِلنُّسْخةِ الَّتي طُبِعَ عنها الكِتابُ في مِصْرَ، وكانَ شَيخُنا بَكرٌ أبو زَيْدٍ رحمهُ الله تعالى يَغمِزُ في صِحَّةِ هذَا الاسْمِ؛ لِعدَمِ مُناسَبتِه لِلمَعنَى، ويَقُولُ: أشبهُ شَيءٍ أن يَكُونَ (تَوالي التَّأنيس بِمَناقِبِ محمَّد بنِ إدريس).
(2) ـ ذَكَرَ المصنِّفُ رحمهُ الله تَعالَى في هذِه الجملَةِ: ما آلَ إليهِ أمرُ المَشْهَدَينِ المتَقدِّمَينِ ـ أعني الرِّحلةَ والمكاتَبةَ ـ، وما انقَطَعَ به حبلُ التَّواصُلِ بَينَ العُلماءِ؛ فتَجِدُ العُلماءَ قدْ يَجتَمِعُونَ في بَلدٍ واحدٍ ورُبَّما جَمعتْهُما جماعةٌ أو جُمُعةٌ أو عِيدٌ ثُمَّ لا تَكُونُ بَينَهُما مَعرِفةٌ.
وإذَا الْتَقَيا ـ كما ذَكرَ ـ تَجَنَّبَ كلٌّ مِنهُما فَتْحَ بابِ المذَاكرةِ، فلا يَعرِضُ مسألةً على صاحِبِه، إمَّا رغبةً عنِ العلمِ، وإمَّا اسْتِحْقارًا لِصاحِبِه ورُؤْيةً لِنفسِه أنَّه الأعلَمُ، وإمَّا أَنَفةً أن يَظُنَّ النَّاسُ أنَّهُ إذَا سألَ صاحِبَه فقالَ لهُ: ما تقُولُ في مسْألةِ كذَا وكذَا؟ أن يَظُنَّ النَّاسُ أنَّ صاحِبَه أعلَمُ مِنهُ، وإمَّا خَوْفًا مِن أن تُولِّدَ المذَاكرةُ مُنازَعةً ومُشاحَنَةً.
¥