ملتقي اهل اللغه (صفحة 7841)

فَقدْ كَانَ عُلماءُ البلَدِ الواحِدِ في العُصُورِ السَّابقةِ لا يَكادُ يَمُرُّ عليهمْ يَومَ إلَّا وهُم يَجتَمعُون فيهِ، ويَتَذاكَرونَ، وأمَّا الآن فَقدْ تَمرُّ علَى العَالمِ شُهُورٌ ـ بلْ سنُون ـ لا يَجتَمِعُ بِعَالمٍ آخرَ قَد يكُونُ مَعدُودًا مِن جِيرَانِه! وإذا جَمعتْهُما الجماعةُ أو الجمُعةُ أو العيدُ فَقدْ يَرجِعانِ عن المصَلَّى ولم يَلتَقِيَا!

وإذَا الْتَقَيا تَجنَّبَ كلٌّ منهُما فَتحَ بابِ المذاكَرةِ: إمَّا رَغبةً عَنِ العِلمِ، وإمَّا استِحْقارًا لصَاحبِه، وإمَّا أنَفَةً أنْ يَظُنَّ النَّاسُ أنَّ صَاحِبَه أعلَمُ مِنهُ، وإمَّا خَوْفًا مِنْ أن تَجُرَّ المذاكَرةُ إلَى المنَازعةِ أو غَير ذلِكَ!!

وَهكذَا يَحجُّ كلُّ سَنةٍ جَماعةٌ مِنَ العلَماءِ، ويَرجِعُ كلٌّ منهُم ولم يَجتَمِعْ بِأحدٍ من عُلماءِ الحرَمَينِ، أوِ العُلماءِ الَّذينَ حَجُّوا في ذلِكَ العامِ.

وقدْ كانَ العُلماءُ في العُصورِ السَّابِقةِ علَى خِلافِ هذِه الحالِ، فَكانَ مِن أعظَمِ مَا يَهتَمُّ بِه العَالِمُ إذَا حَجَّ: الاجتِماعُ بِالعُلماءِ، والاستِفادَةُ منهُمْ، وإفادتُهُمْ.

ولَقدْ كانَ بَعضُ العُلماءِ يَحجُّ وأعْظمُ البَواعِثِ لَه علَى الحجِّ: الاجتماعُ بالعُلماءِ، معَ أَنَّ هذِه العِبَاداتِ ـ أَعني الجمَاعةَ والجمُعةَ والعيدَ والحجَّ ـ مِنْ أَعظَمِ الحِكَمِ في شَرعِها الاجْتماعُ والتَّعَارُفُ وتَبادُلُ الفَوائِدِ العِلميَّةِ وغَيرهَا.

وهكَذَا قدْ يتَّفِقُ لِأَحَدِ عُلماءِ هذَا العَصْرِ سَفَرٌ إِلَى بَلَدٍ مِنَ البُلْدانِ فَيَرِدُه، ويَمْكثُ فيه مُدَّةً لَا يَسْأَلُ عَمَّنْ بِهِ مِنَ العُلَماءِ، ولَا يَجتَمعُ بِهمْ، وإِذَا اجْتَمعَ بِهمْ تَجنَّبَ المذاكَرةَ العِلمِيَّةَ، فَلا يَكادُ يُفيدُ ولَا يَسْتفيدُ، وإِذَا كانَ يَصْنعُ هذَا معَ جيرَانِهِ منَ العُلَماءِ، فكيفَ يُرجَى منه خِلافُه معَ علَماءِ البُلدَانِ البَعيدَةِ عَنْهُ؟!

وكَمْ مِنْ عالِمٍ تُشْكِلُ علَيْه مسْألَةٌ، أَو يَخشَى أَن يكُونَ مُخطِئًا فيهَا، فَلا يَدعُوه التَّوفيقُ إِلَى الاجْتماعِ بِغَيرِه مِنَ العُلَماءِ والبَحْثِ معَهُمْ فيهَا، أَوْ إلَى مُكاتَبَتِهِمْ في ذلِكَ.

هَذَا مَعَ تَيَسُّرِ طُرُقِ المواصَلاتِ في هذِهِ الأَعْصارِ فأصْبحَتِ المسَافَةُ الَّتي كانَتْ لَا تُقْطَعُ إِلَّا في أَشهُرٍ أَوْ سِنينَ ـ معَ المشاقِّ والمخَاوِفِ والعَوائِقِ والقَواطعِ ـ تُقطَعُ الآنَ في أَيَّامٍ معَ الأَمْنِ والرَّاحةِ، وكذَلِكَ حالُ المكاتَبَاتِ (2).

العُصَيمي:

(1) ـ ذَكَرَ المصنِّفُ رحمهُ الله تعالَى في هذِه الجملَةِ مشهَدَينِ مِن مشاهِدِ اتِّصالِ العُلماءِ بَعضِهِم بِبَعضٍ، أحدُهُما: الرِّحلَةُ والأسْفارُ والثَّاني: المكاتَبَةُ بَينَ عُلماءِ الأمصَارِ، فَكانَ العِلمُ مَوْصُولَ الرَّحِمِ بِهذَينِ المشْهَدَينِ.

وكانتِ الرِّحلَةُ لازِمَةً لِوَصْفِ العلمِ فيما مَضَى؛ فَيرتَحِلُ طالِبُ العلمِ لأخذِ العلمِ عَن شُيُوخٍ غيرِ شُيُوخِ بَلَدِه، وعِندَهُمْ هذَا أكملُ لِعلمِه وأرسَخُ لقَدَمِه، وأنبلُ لنَفسِه وأتمُّ لِعَقلِه؛ فإنَّ مَن خالَطَ النَّاسَ على اختِلافِ عُلُومِهمْ وتَبايُنِ فُهُومِهم وافتِراقِ أذْواقِهِم كَساهُ ذلِكَ الكاملَ مِنهُم بِحسَبِ فِطنتِه واهتِمامِه بِأمرِ رِحلَتِه.

والعادةُ الجارِيَةُ عِندَ أهلِ الإسلامِ أنَّ الرِّحلَةَ مِن أعظمِ الموارِدِ الَّتي يَتميَّزُ بِها أهلُ العلمِ بَعضُهُم عنْ بعضٍ؛ فإنَّ الَّذي يَرحلُ يَحظَى مِن العلُومِ فَوقَ الَّذي لا يَرحلُ، وهُوَ أصلٌ كبيرٌ عِندَهُمْ.

وقَدْ صَنَّفَ الخطيبُ البغدادِيُّ رحمهُ الله تعالَى كتابًا سَمَّاهُ: (الرِّحلَةُ في الحديثِ) ذَكرَ فيه الأحادِيثَ والآثارَ والحِكاياتِ والأخبارَ فيما كانَ عليه الصَّدْرُ الأوَّلُ مِنَ الأُمَّةِ في السَّفرِ في العلمِ.

ومَن نَظَر في تَراجمِ أهلِ العلمِ وقفَ على مَبلَغِ هذَا الأمرِ في نُفُوسِهِم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015