وهذَا الموضُوعُ ـ موضُوعُ الارتِباطِ بينَ العُلماءِ ـ المصنَّفاتُ فيه نادرةٌ، وأكثَرُ ما يندرجُ فيه ويعبِّرُ عنهُ مبثُوثٌ في كتُبِ التَّأريخِ والأدب وغَيرِها، سَواء ما يتعلَّقُ بِالصَّداقةِ بينَ العلماءِ وما يتعلَّقُ بالمراسَلاتِ العلميَّةِ والأدبيَّةِ والمناظراتِ والرُّدُودِ والرَّحلاتِ العلمِيَّةِ ونَحوُ هذَا منَ التَّواصلِ بينَ العُلماءِ والأدباءِ ما إذا تتبَّعهُ المرءُ لوقفَ منهُ علَى الشَّيءِ الكثيرِ والكنزِ الوفيرِ منَ الفَوائِدِ الغزيرةِ العلميَّةِ والسُّلُوكِيَّةِ وغيرِ ذلِكَ، والله المستَعانُ.
الحلقة الثانية والثالثة والرابعة إن شاء الله مع الرسالة والتعليق دون حواش؛ لا أضخم المشاركة كثيرا.
ـ[أبو محمد فضل بن محمد]ــــــــ[05 - 04 - 2010, 09:01 م]ـ
البسملة1
المُعلِّميّ:
الحمدُ لله الَّذي أَرانا بِأعيُنِنا ما كنَّا نتمنَّى أن نَراهُ مِن مَظَاهِرِ الارتِباطِ والتَّعاوُنِ العِلمِيِّ بَينَ العُلماءِ، فأصبحَ عُلماءُ الهندِ يَستقبِلُونَ وَفدًا كريمًا مِن خِيرةِ إخْوانِهمْ علَماءِ مِصرَ، تكلَّفوا المشَاقَّ والمتاعِبَ حُبًّا في تَعرُّفِ أحوالِ إخْوانهمْ في الهندِ، وتَوثيقِ عُرَى التَّواصُلِ معهُم، تَمهيدًا للتَّعاوُنِ معَهم فِيما يَرفَعُ شَأنَ الإسلامِ والعِلمِ.
كانَ العُلَماءُ في العُصُورِ الأُولى متَواصِلينَ على بُعدِ الأقطارِ وصُعُوبةِ الأسْفَارِ فَلا تكَادُ تطَّلِعُ علَى تَرجمةِ رجُلٍ منهُم إلَّا وجَدتَ فيها ذِكْرَ ارتِحالِه في أوانِ الطَّلَبِ إلى الأقطارِ النَّائِيَةِ لِلِقاءِ العُلماءِ والأخذِ عنهُم وسِياحتِه بعْدَ التَّحصِيلِ وكُلَّما دخَلَ بلْدةً سألَ عمَّنْ بها مِن العُلماءِ واجتمعَ بهمْ واستَفادَ منهُم وأفادَهم وبَقي يُواصِلُهم طُولَ عمُرِه بِالمُكاتبةِ والمُراسَلةِ، وكانتِ المُكاتَباتُ لا تنقطِعُ بينَ عُلَماءِ الأقطارِ لِتبادُلِ الأفكارِ في المسَائلِ العِلميَّةِ.
وفي الجزْءِ الأوَّلِ مِنْ " إِعْلامِ المُوقِّعينَ ": ذِكرُ رِسالةٍ مِن اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ إلى مالِكٍ رحمهُما الله تَعالَى تَشتَمِلُ علَى عِدَّةِ مَسَائلَ، وفيهَا ما يدُلُّ أنَّ المكاتبةَ بينهُما في المسَائلِ العلمِيَّةِ كانتْ مُتواصِلةً.
وهكذَا كانَتِ المُكاتَبةُ بينَ الشَّافِعيِّ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ رحمهُما الله تَعالَى.
في " تَوَالي التَّأسِيسِ " لابنِ حَجَرٍ العسْقَلَاني رحمهُ الله تَعالَى: (قالَ أبُو ثورٍ: كتبَ عبدُ الرَّحمنِ ابنُ مَهدِيٍّ إلى الشَّافِعيِّ وهُو شابٌّ أن يضَعَ له كِتابًا، فوضَعَ له كِتابَ " الرِّسَالةِ ")
وفِيه: (عن عَبدُوسٍ العطَّارِ: سَمِعتُ عليَّ بنَ المدينِيِّ يقولُ للشَّافعيِّ: اكتُبْ كِتَابَ " خَبرِ الواحِدِ " إلى عَبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهدِيٍّ، فإنَّهُ يُسَرُّ بِذلِكَ).
وأمثِلةُ هذا كَثيرةٌ.
وكثيرٌ من المؤلَّفاتِ العِلميَّةِ كانَ سَببُها المكاتبةُ بينَ العُلماءِ، وكثيرٌ منَ الفَتاوَى المطوَّلةِ صَادِرٌ عنْ ذلِكَ كما يُعلَمُ بمُراجَعتِها كـ " فَتاوَى السُّبْكِيِّ الكَبيرِ " وغَيرِهِ.
كَما أنَّ كَثيرًا مِن التَّوارِيخِ استَفَادَ مُؤلِّفوها كَثيرًا ممَّا فيهَا أو أكثرَه بمُكاتَبةِ العُلماءِ، كـ " تَاريخِ ابْنِ خَلِّكانَ "، و" إنْبَاءِ الغُمْرِ "، و" الدُّررِ الكامِنةِ " لابنِ حجَرٍ العَسقلَانيِّ، و" الضَّوْءِ اللَّامِعِ " لِلسَّخَاوِيِّ، وغيرِ ذلكَ ممَّا تَقدَّمَ أو تَأخَّرَ.
وقَدْ كانَ هذَا العمَلُ ـ أَعْني المكاتبةَ بَينَ العُلماءِ في المسَائلِ العِلميَّةِ ـ جاريًا في اليَمنِ إلى مُدَّةٍ غَير بَعيدَةٍ وقَد رأيتُ في المخطُوطاتِ اليمَنِيَّةِ كَثيرًا مِن ذلكَ (1).
فَأصبَحَ العُلماءُ في هذَا العَصرِ مُتَقَاطِعينَ، لا صِلةَ بينَ عُلماءِ هذا القُطرِ وعُلماءِ القُطرِ الآخَرِ، بلْ ولا بينَ عُلماءِ القُطْرِ الواحِدِ! بلْ ولا عُلماءِ البلَدِ الواحِدِ!!
¥