ملتقي اهل اللغه (صفحة 5917)

ومن شواهد هذه الأخطاء، وأمثلة تلك الأغلاط ما انطوتْ عليه صحائف أهل العلم، ودفاتر أرباب الأدب من أخبار وقصص تشهد بمجموعها على أصحابها بالجهل بأبسط قواعد هذه اللّغة الشّريفة؛ ممّا صيّرهم على تعاقب الأجيال، واختلاف الحَدَثان سمر المجّان، وضُحكة النّدماء، والخِلاّن.

فإليك -أيُّها الحَصيف - أسوق بعض هذه الأخبار؛ علّك تُجمُّ بها نفسك، وتتعلّم منها درسك؛ فاللّبيب من اتّعظ بغيره، كما الشّقيُّ مَن كان عبرة لغيره.

ففي القرآن الكريم:

* (قدِم أعرابيّ في زمان عمر فقال: مَن يُقرئني ممّا أنزل الله على محمد.قال: فأقرأه رجلٌ براءة، فقال " أَنَّ اللَهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ " بالجرِّ، فقال الأعرابيّ: أَوَقَدْ بَريءَ اللهُ من رسولِه؟!.إنْ يكنِ اللهُ بَرِيءَ مِن رسولِه فأنا أبرأُ منه. فبلغَ عمرَ مقالةُ الأعرابيّ؛ فدعاه فقال: يا أعرابيّ أتبرأُ من رسول الله (صلّى الله عليه وسلم)؟.قال: يا أمير المؤمنين إنِّي قدمتُ المدينة ولا علمَ لي بالقرآنِ؛ فسألتُ مَن يُقرئني، فأقرأني هذا سورةَ براءة. فقال:" أنّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ ".فقلتُ: أَوَقَدْ بَرِيءَ اللهُ مِن رسولِه؟!.إنْ يكنِ اللهُ بَرِيءَ مِنْ رسولِه؛ فأنا أبرأُ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابيّ. قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟.فقال " أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ".فقال الأعرابيّ: وأنا واللهِ أبرأُ ممّا بريءَ اللهُ ورسولُه منه. فأمرَ عمرُ بن الخطّاب ألاّ يُقريءَ القرآنَ إلاّ عالمٌ باللّغة، وأمرَ أبا الأسود فوضع النّحو).

* وقرأ آخر: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهُ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءَ) برفع الأوّل، ونصب الثاني؛ فوقع في الكفر بنقل فتحة إلى ضمّة، وضمّة إلى فتحة. فقيل له: يا هذا، إنّ الله تعالى لا يخشى أحدا!.فتنبَّهَ لذلك، وتفطّن له.

وفي السنّة النّبويّة:

* ورَوَوْا أنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يَلحنُ في كلامه؛ فقال: (أرشدوا أخاكم فإنّه قد ضَلَّ ...).فسمّى اللَّحْنَ ضلالاً.

* وقال عليه السّلام: (رحِمَ اللهُ اِمرَأً أصلحَ من لسانه).قال ابن جِنِّي: وذلك لِمَا عَلِمَهُ ممّا يعقب الجهل لذلك من ضدّ السّداد، وزيغ الاعتقاد.

وفي آثار الصّحابة:

* وفيه قصّة أبي الأسود الدّؤلي مع ابنته، قال ابن عساكر: (ويقال: إنّ ابنتَه قالت له يوما: يا أبتِ، ما أحسنُ السّماءِ. [فقال لها:] أي بنية نجومُها. قالت: إنِّي لم أرد أيَّ شيءٍ منها أحسن، إنّما تعجّبتُ من حسنها. قال: إذًا تقولي: ما أحسنَ السّماءَ؛ فحينئذ وضع كتابًا).

* (ويُقال إنّ ابنتَه قالت له: يا أبتِ ما أشدُّ الحرِّ (في يوم شديد الحرّ)،فقال لها: إذا كانت الصَّقْعاءُ مِن فَوقِكِ، والرَّمْضاءُ من تحتِكِ. فقالت: إنّما أريد أنّ الحرَّ شديدٌ. قال: فقولي: ما أشدَّ الحرَّ).

* (وكتب الحصينُ بنُ الحرِّ كتابًا إلى عمرَ فلَحَنَ في حرفٍ فيه؛ فكتبَ إليه عمرُ أنْ قَنِّعْ كاتِبَك سَوْطًا).

* ومرَّ عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه بقومٍ يرمون نَبْلاً؛ فعابَ عليهم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين إنّا قومٌ متعلِّمين. فقال: لَحْنُكم أشدُّ عليَّ مِن سُوءِ رميكم، سمعتُ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: رحمَ اللهُ امرأً أصلحَ مِن لسانهِ.

* وكان عبدُ الله بنُ عمر رضي الله عنهما يضربُ بنيه على اللّحْن، ولا يضربهم على الخطأ.

* وعن نافع قال: كان ابنُ عمر يضرب ولدَه على اللّحن.

* ومرّ عمرُ بنُ الخطّاب [رضي الله عنه] برجلين يرميان، فقال أحدُهما للآخر: أَسَبْتَ؛ فقال عمر: سوءُ اللّحن أشدُّ مِن سُوء الرَّمي.

* وأخرج ابن أبي شيبة بسنده إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: تعلّموا اللّحنَ والفرائض؛ فإنّه من دينكم.

قال يزيد بن هارون: اللَّحْنُ هو اللُّغة.

قصص الخلفاء والأمراء:

* قال الوليد لرجل: مَن خَتَنَك؟.قال: الحَجَّام!.فضحك القومُ، وخجلَ الوليد؛ وإنّما أراد أن يقول: مَنْ خَتَنُكَ.

* وروى العتبي عن أبيه قال: استأذنَ رجلٌ من جند الشّام، له فيهم قدر على عبد الملك بن مروان وهو يلعب بالشِّطرنج، فقال: يا غلام، غَطِّها هذا شيخ له جلالة. ثمّ أذِنَ له. فلمّا كلّمه وجده يَلْحَنُ فقال: يا غلام، اكشِفْها فليس لِلاحِنٍ حُرْمَة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015