ملتقي اهل اللغه (صفحة 5172)

هذا الأحمر فيه خطأ في نقطة واحدة، وهي نقطة واحدة لكنها قد تدع الحليم حيران.

وأنا لا أذكر متى كانت أول مرة قرأت فيها هذا البيت، فقد كان ذلك قديما، لكنني أعلم أنني أنكرته من وقت قديم، وحِرتُ في معناه، وبَعِلْتُ بتوجيهه إلى وجه مرضيّ.

وإنما ذلك لأن التصحيف ضربان:

1 - ضرب يطمس المعنى الصحيح، ويترك الكلام بدون معنى، فلا يرتاب العاقل في وجود تصحيف في هذا الكلام.

2 - وضرب يُفسد المعنى الصحيح، ويأتي بمعنى آخر قد يكون له وجه ومخرج.

فهذا الثاني هو أشد الضربين، وهو الذي وقع في هذا البيت.

وذلك أن الصواب في البيت: "يَزِدْنَ" بالزاي، وسنسوق الحجة في هذا، فسقطت نقطة الزاي، وصارت راءً، فصار البيت: "رماحهم يَرِدْنَ".

فإذا نظرت في هذا وجدت أن وصف الرماح بالورود غير منكر، وقد جاء في شعر العرب، لأنهم جعلوا الرمح الذي يُطعن به ويصيب دما كالذي يَرِد الماء ويشرب منه، وذلك كثير في شعرهم، كقول ابن أخت تأبط شرا:

يُنهِل الصعدَة حتى إذا ما نهلت كان لها منه عَلُّ

لكنك إذا تأملت باقي بيت زفر بن الحارث لم تجد له معنى مفهوما، ما معنى: ورود الرماح على عشر وثمان قبل تركيب النصال؟ فكنت لا أشك في وقوع التصحيف في هذا البيت.

وقد وجدت البيت قديما في البداية والنهاية، لكنه في أبيات غير هذه، قال ابن كثير بعد أن أورد خبرا:

"فقال الكناني في ذلك:

فدى للأكرمين بني هلال * على علاتهم أهلي ومالي

هموا سنوا الجوائز في معد * فعادت سنة أخرى الليالي

رماحهم تزيد على ثمان * وعشر قبل تركيب النصال"

ولو سقطت النقطة من رواية ابن كثير هذه لم تَضِر، لأن "رماحهم تريد على ثمان" لا معنى له.

فاستيقنت أن الصواب في بيت زفر بن الحارث:

رماحهم يَزِدْنَ على ثمان * وعشر قبل تركيب النصال

وعلمت أنه أراد أن رماحهم تزيد في طولها على ثمان وعشر، وهذا قبل أن تركب فيها النصال، فإذا ركبت فيها النصال زاد طولها.

لكنني كنت أقول: هذا العدد (ثمان وعشر)، فأين المعدود؟ تزيد على ثمان (ماذا؟) وعشر (ماذا؟)؟

وللحديث تتمة إن شاء الله.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[12 - 11 - 2012, 08:57 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

ثم وجدت بيتا أزال عني هذه الحيرة، وعلمت أن زفر بن الحارث أراد: ثماني أذرع وعشر أذرع، قال عتيبة بن مرداس -وهو المعروف بابن فسوة-:

متى ما يجىء يوماً إلى المال وارثي * يجد قبض كف غير ملأى ولا صفر

يجد مهرة مثل القناة طمرة * وعضبا إذا ماهز لم يرض بالهبر

وأسمر خطيا كأن كعوبه * نوى القسب قد أرمى ذراعا على العَشْرِ

ويروى في البيت: "قد أربى"، وكلاهما بمعنى زاد، فأخبر أن طول رمحه قد زاد ذراعا على العشر، فطوله على هذا إحدى عشرة ذراعا، فهو كالطول الذي ذكره زفر بن الحارث في وصف رماح القوم الذين يمدحهم لمَّا أخبر أن رماحهم تزيد على عشر أذرع.

قال أبو عبيد البكري في اللآلي معلقا على هذه الأبيات:

"وروى ابن السكيت هذه الأبيات في شعر حاتم الطائي، والصحيح أنها لعتيبة هذا. وقوله: قد أرمى ذراعاً على العشر، هذا طول أوسط القنا عندهم وهو المحمود، قال البحتري:

كالرمح أذرعه عشر وواحدة * فما استبد به طول ولا قصر"

فمعنى كلام البكري أن هذا ليس منتهى طول القنا، وإنما هو طول أوسط القنا، وهو الطول المحمود، فلذلك مدح زفر بن الحارث أولئك القوم بأن طول رماحهم على هذا المقدار.

ــــــــــــــــــــــــ

وقال أيضا في (فصل المقال):

"وأحسن مقادير القناة عندهم إحدى عشرة ذراعًا. قال عتبة بن مرداس:

وأسمر خطياً كأن كعوبه * نوى القسب قد أرمى ذراعًا على العشر

وقال البحتري:

كالرمح أذرعه عشر وواحدة * فليس يزري به طول ولا قصر"

ــــــــــــــــــــــــ

وقال ابن سيده في (شرح المشكل من شعر المتنبي):

"ومما يدلك على أن طول القناة غير محمود، أن طول القناة قد يُورثها الخَطل.

قال الأصمعي: طول القناة أربع عشرة وأقصرها سبع والممدوح بينهما، وهو ما كان طوله إحدى عشرة، كقول الشاعر:

وأسَمْرَ خَطِّيا كأن كُعُوبَه * نوى القَسْب قد أَربَى ذِراعا عَلَى العشْر

وكذلك قال البحتري:

كالرمحِ أذرعُه عَشْر وواحدة * فما استبدَّ به طولٌ ولا قِصَرُ"

فترى في هذا أن طول القناة قد يزيد على إحدى عشرة ذراعا، ويصل إلى أربع عشرة ذراعا، لكن المحمود ما كان طوله إحدى عشرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وقال المرزوقي في شرح الحماسة:

"وقوله: (قد أربى ذراعاً على العشر)، وصفه بأنه لم يكن طويلاً ولا قصيرا حتى لا يكون مضطرباً ولا قاصراً، بل يجرى مع الاعتدال."

وهذا موافق لما سبق من الكلام، وهو أن ما كان طوله إحدى عشرة ذراعا فهو بين الطويل والقصير، وهو المحمود عندهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الخالديان في الأشباه والنظائر بعد إيراد بيت عتيبة:

"وهذا الذي ذكره الشاعر من طول الرمح هو الذي يحمد، ومنه أخذ البحتريّ:

كالرمح أذرعه عشر وواحدة * فليس يزري به طول ولا قصر"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسأنقل كلاما آخر فيه أن منتهى طول القناة إحدى عشرة ذراعا، وهو مخالف لما نقلناه من قبل، والصحيح -إن شاء الله- هو القول الأول، وهو أنها تزيد على إحدى عشرة ذراعا.

ــــــــــــــــــــــــــ

فإذا نظرت في ما نقلناه من أقوال العلماء علمت أن زفر بن الحارث أراد أن رماحهم تزيد في طولها -قبل أن تركب نصالها- على عشر أذرع، وأن هذا هو الطول المحمود عند العرب، فلذلك مدح به أولئك القوم.

وعلمت أن التصحيف الذي وقع في الوحشيات -وإن كان في نقطة واحدة- قد أفسد المعنى، وأحال البيت عن وجهه، وجعل القارئ يذهب في طلب توجيهه كل مذهب.

وللحديث تتمة إن شاء الله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015