ملتقي اهل اللغه (صفحة 5171)

وأما "جِدٌّ" بكسر الجيم، فلا أرى لها وجها أيضا، والجِدُّ كلمة عامة تكون في أي شيء، وليس لها هنا إلا مخرجان تُحمَل عليهما، إما أن يقال: أراد الشاعر: نجاك جِدٌّ في القتال يفلق الصخر، وهذا مردود بما رددنا به "حَدّ"، لأن حاصل هذا أنه يمدحه بالجِدِّ في القتال، وأنه إنما نجا بقتاله وثباته، وهذا غير مراد لأنه يهجوه كما ذكرنا.

ومما يدلك أيضا على أن هذا غير مراد وأن الحَدَّ أيضا غير مراد قوله:

بعدما * أظلَّتكَ خيلُ الحارث بن شَرِيكِ

أي: بعدما دنت منك وكادت تلتبس بك، فالقوم لم يقع بينهم قتال، والمخاطب نجا قبل أن تلتبس به خيل الحارث بن شريك، فلا وجه إذن للقول بأنه نجا بحَدِّه ولا للقول بأنه نجا بجِدِّه في القتال.

فبقي أن يقال:

لعله أراد: نجاك جِدُّك في الفرار.

وهذا ينسجم مع معنى الأبيات وتعييره له بالفرار، لكني أراه غير مقصود لأمرين:

1 - أن إطلاق الجِدِّ هكذا دون تقييده بالفرار فيه غرابة، وليس من طريقة العرب أهل البيان، فإن الوجه الذي يقال في مثل هذا: نجاك فرارك وما أشبه ذلك، أما الجِدُّ فكلمة عامة يجوز أن يكون الجِدُّ في الفرار وفي غيره.

2 - أن وصف جِدِّه في الفرار بأنه يفلق الصخر فيه غرابة أيضا، فما معنى وصف الفرار بأنه يفلق الصخر؟! لا أرى لهذا معنى مفهوما.

بل الوجه الصحيح الذي يجب حمل البيت عليه: "نجَّاكَ جَدٌّ"، أي: حظٌّ.

ووصف الجَدِّ بأنه يفلق الصخر صحيح لأمرين:

1 - أن لهذا معنى مفهوما سائغا، لأن فلق الصخر أمر عسير شديد، ولا يكاد يتأتى لأحد في زمانهم، فوصف الرجل بأن له حظا من شأنه أن يفلق الصخر أمرٌ سائغ في الكلام، ومعناه أن حظك يحصل لك به أشياء لا تحصل للناس في العادة ولا تكاد تتأتى لأحد.

2 - أنك تجد في كلام العرب وصف الحظ بمثل هذا اللفظ بحروفه، وتجد ذلك في شعرهم، وشعر العرب يعين بعضه على فهم بعض، قال عوف بن الأحوص أو خداش بن زهير:

وكانت قريش يفلق الصخرَ جَدُّها * إذا أوهن الناسَ الجُدودُ العواثرُ

فأخبر عن جَدِّ قريش بأنه يفلق الصخر. وسنعود للكلام عن هذا البيت.

وأقول: ما زال هذا في كلام العامَّة إلى اليوم، يقولون: فلان حظه يفلق الصخر، ويكسر الحجر، وما أشبه ذلك، ولعل بعضكم سمع هذا منهم.

فالوجه الصحيح في البيت: "نجاك جَدٌّ يفلق الصخرَ" بفتح الجيم لا غير، والله أعلم.

ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[01 - 06 - 2012, 08:21 م]ـ

بارك الله فيك حبيبنا أبا حيّان.

كلامٌ سديدٌ، فيه قوَّةُ الحجّة، وحسنُ التسلسلِ، وجمالُ العرض. والبيتُ الذي أنشدتَّه كافٍ شافٍ.

ـ[عمار الخطيب]ــــــــ[02 - 08 - 2012, 06:06 ص]ـ

أحسنتَ يا أبا حيان. زادك الله فضلا وكرما.

أبا حيان، لاحظتُ أنَّكَ أنشدت بيت عوف بالجيم (وكانت قريش يفلق الصخرَ جَدُّها ** إذا أوهن الناسَ الجُدودُ العواثرُ)، فهل ترى فيه ما رأيتَ في (نجَّاك جَدٌّ ...)؟

أسأل لأني كنتُ قد قرأتُ بيت عوف بن الأحوص بالحاء في (المفضليات)، وفي شرح الأنباري ...

بارك الله فيك.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[02 - 08 - 2012, 07:34 ص]ـ

أحسن الله إليكم يا أبا حازم، ونفع بكم.

نعم يا شيخنا، البيت بالحاء في نشرة الشاكرين للمفضليات وفي شرح الأنباري، وهو خطأ محض صرف، وأنا كنت أعلم لما أنشدته أنه جاء فيهما بالحاء، ولذلك قلت في مشاركتي لما أنشدت هذا البيت: "وسنعود للكلام عن هذا البيت"، لأنه ينبغي تصحيح الشاهد أولا ثم الاستشهاد به، وأرى أن الخطأ الذي وقع في البيت ليس مما يسوغ فيه الاختلاف، بل الصواب في بيت عوف بن الأحوص: "جَدُّها" بالجيم فقط، ولا يصح غير ذلك، ولعلي أعود إلى الاحتجاج لهذا إن شاء الله.

وأما الأنباري -رحمه الله- فلم يشرح هذا البيت مع أنه يشرح معظم الأبيات في المفضليات، فلو أنه شرحه واعتمد الحاء في شرحه لقلنا هذه رواية الأنباري، أما إذ لم يشرحه فلا نستطيع أن نجزم أن هذه روايته وأنه رواه هكذا بالحاء، بل الذي أعتقده أن هذا من تصحيف النساخ، والله أعلم.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[12 - 11 - 2012, 06:06 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

- 7 -

في الوحشيات (المقطوعة 167):

"زفر بن الحارث الكلابي، سيد قيس عيلان غير مدافع

1 -

2 -

3 -

4 - رماحهم يردْن على ثمان * وعشر قبل تركيب النصالِ"

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015