ملتقي اهل اللغه (صفحة 5170)

1 - إما أن يكون هذا في يوم الشقيقة الذي أشار إليه الشيخ شاكر وهو اليوم الذي قتل فيه بسطام بن قيس الشيباني، وهذا بيّن البطلان، لأن الحارث بن شريك الشيباني لم يقاتل قيسا الشيباني مع بني ضبة في يوم الشقيقة، وكيف يقاتلهم وهم قومه!

2 - وإما أن يكون هذا وقع في غير يوم الشقيقة، وهذا أيضا مردود ولا يتصور وقوعه، لأن الشاعر يقول:

ولو أصبح السعدي قيس بأرضنا ** لأضحى لجل المال غير مليك

فمعنى هذا أن قيسا الشيباني أغار على أرض بني ضبة وديارهم فهب الحارث بن شريك الشيباني للدفاع عن بني ضبة وقاتل قومه وطردهم من أرض بني ضبة! وبنو ضبة البُهَمُ الأشداء ينظرون إلى قيس الشيباني ولا يدفعونه حتى دفعه عنهم رجل من قومه بني شيبان، ثم يفتخرون بدفاع هذا الشيباني عنهم!

فكنت أعلم في نفسي أن هذا الشعر لا ينبغي أن يكون لرجل من بني ضبة، وأنه لرجل من بني شيبان قوم الحارث بن شريك، فلذلك فخر بفعل الحارث وطرده لقيس السعدي المذكور.

** فإن قيل: قد وافقناك على أن يكون الشعر لرجل من بني شيبان وأن نسبتها إلى ابن المنتفق الضبي خطأ، أفلا يجوز مع هذا ما ذكره الشيخ أبو فهر من أن قيسا السعدي هو قيس بن مسعود الشيباني، ويكون القتال وقع بين الحارث بن شريك الشيباني وقيس بن مسعود الشيباني.

** قلت: النسبة إلى سعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان غير معروفة، وليس كل جد من الأجداد تنسب إليه العرب، فلا يقال في نسب الرسول صلى الله عليه وسلم: محمد بن عبد الله الكلابي لأن أحد أجداده اسمه كلاب! فأحسب أن السعدي نسبة إلى سعد غير هذا، والأظهر أنه ليس من بني شيبان.

** فحاصل الكلام أنه ينبغي أن نعكس الأمر، فالمثبت في الوحشيات وحاشيتها أن الشعر لرجل ضبي يعير رجلا شيبانيا بالفرار، والأحسن أن نقول: إن الشعر لرجل شيباني يعير رجلا من غير بني شيبان، فيجوز أن يكون ضبيا أو غير ضبي.

** فإذا نظرت في من يقال في نسبهم: السعدي من العرب رأيت من أشهرهم بني سعد بن زيد مناة بن تميم، منهم المخبل السعدي الشاعر وسلامة بن جندل السعدي، وفي العرب سعد أيضا في هوازن وغيرها، وهؤلاء ديارهم بعيدة من ديار الحارث بن شريك الشيباني.

** فالأولى أن يكون قيس السعدي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وهؤلاء كان لهم أيام ووقائع كثيرة مع بني شيبان وغيرهم من بكر بن وائل.

وأشهر قيس فيهم قيس بن عاصم المنقري، وقد كان له وقائع مع الحارث بن شريك خاصة، وإنما سمي الحارث بن شريك بالحوفزان لأن قيس بن عاصم المنقري السعدي حفزه بالرمح في يوم جدود فسمي بها الحوفزان.

فهذا السياق العقلي يرجح أن يكون المقصود هو قيس بن عاصم المنقري.

** فإن قيل: كلامك حسن لكنا نريد شيئا من النقل يؤيده.

** قلت: قد وجدته في كتاب البرصان والعرجان للجاحظ، قال الجاحظ:

"وذكر شاعر بني شيبان فرة كانت من قيس بن عاصمٍ والحوفزان يطلبه، فقال:

نجاك جد يفلق الصخر بعدما ..... " وأنشد ثلاثة الأبيات.

ومع أن الجاحظ نسب الأبيات لرجل من بني شيبان فقد أخطأ هارون -رحمه الله- ونسب الأبيات في فهرس الأبيات إلى مالك بن المنتفق اعتمادا على ما جاء في الوحشيات.

هذا، والله -تبارك وتعالى- أعلم، وللحديث بقية إن شاء الله.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[01 - 06 - 2012, 12:03 ص]ـ

البسملة2

هذه تتمة للكلام في المقطوعة السابقة.

قال الشاعر:

نَجَّاكَ جد يفلق الصخر بعدما * أظلَّتكَ خَيلُ الحارثِ بنِ شَرِيكِ

قال الشيخ الميمني -رحمه الله تعالى-:

"جَدٌّ وجِدٌّ (بالفتح والكسر) وحَدٌّ ثلاثتها متجهة"

وأرى أن الشيخ -رحمه الله- لم يصب في هذا، وأن الصواب هو "جَدٌّ" بفتح الجيم لا غير.

أما "حَدٌّ" بالحاء المهملة فلا وجه له البتة، لأن الشاعر يهجو هذا الرجل المخاطب ويعيره بالفرار، فكيف يقول له: "نجاك حَدٌّ يفلق الصخر"؟ والحَدُّ له معان كثيرة، وفي مثل هذا الموضع يُفهم منه القوة والبأس والمَضاء، ولا شك أن هذا مدح للرجل المخاطب معناه أنك نجوت بقوتك وبأسك وقتالك، وهذا غير مراد هنا، والشاعر كما ذكرنا يهجوه ويعيره بالفرار.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015