ملتقي اهل اللغه (صفحة 5163)

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[08 - 01 - 2011, 11:39 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

وقال لابن جنيدب بن عمرو بن الأسلع: ناد حبينة، فجعل ينادي: يا عمراه. باسم أبيه حتى قتل.

هذه الكلمة التي لونتها بالأحمر كلمة واحدة في هذه الأسطر الطويلة، لكن معرفة الصواب فيها يعين على فهم أبيات الوحشيات، وهذه الكلمة أحسبها محرفة، وصوابها إن شاء الله: "لأبي جنيدب", ورسم الياء يشبه رسم النون، فانظر إلى الشبه بين الكلمتين: "لأبي"، "لابن".

والذي حملني على قول هذا أمران:

1 - قول أبي عبيدة: "فجعل ينادي: يا عمراه. باسم أبيه حتى قتل."

فهذا دليل أن الغلام ابن عمرو بن الأسلع، وليس ابن جنيدب بن عمرو بن الأسلع. وهذا الغلام كنيته أبو جنيدب، والعرب ربما كنوا الصغير، وقد يكون هذا اسمه، فالعرب ربما سمت بمثل هذا، كما قيل في أبي عمرو بن العلاء رحمه الله، قيل: اسمه هو كنيته أبو عمرو.

2 - قول أبي العباس المبرد رحمه الله في كتابه "التعازي والمراثي":

"وقال عمرو بن الأسلع يرثي أبا جنيد بن عمرو بن الأسلع العبسي، ويذكر قتل حذيفة بن بدر إياه:

1 - فلا يكن الوداع أبا جنيد ** وآخر حاجة السفر الوداعُ

2 - فإن خابت حبال بني سبيع ** ونعم القوم قوم إن أضاعوا

3 - فلا تيأس بذلك وانتظرني ** وشر حديث قائله سماعُ

4 - أتتك كأنها عقبان دجن ** تجاوب في حناجرها اليراعُ"

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[08 - 01 - 2011, 01:51 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

بقي هنا إشكال، فالذي في كتاب النقائض صوابه إن شاء الله: أبو جنيدب بن عمرو بن الأسلع، والذي في كتاب المبرد: أبو جنيد بن عمرو بن الأسلع.

فيجوز أن يكون الذي في النقائض محرفا زيدت فيه الباء وصوابه ما في كتاب المبرد، ويجوز أن يكون الصواب ما في كتاب النقائض، وتكون كنية الغلام: أبا جنيدب, فلما نظم أبوه الأبيات في رثائه اضطره الوزن إلى تغيير كنيته، فقال:

فلا يكن الوداع أبا جنيد ** وآخر حاجة السفر الوداعُ

وهذا قد جاء في الشعر كثيرا، يغيرون الأسماء ضرورة، كما قال الحطيئة يصف جيشا:

فيه الرماح وفيه كل سابغة ** جدلاء محكمة من نسج سلَّام

يعني سليمان عليه السلام، مع أن هذا فيه خطأ آخر، لأن الدروع تنسب إلى داوود وليس إلى سليمان عليهما السلام، ومثل هذا كثير.

فيجوز أن يكون ابن الأسلع غير كنيته كما ذكرنا، ورآها بعض العلماء في الشعر هكذا فظنها كنيته أصلًا، فلذلك قال المبرد: "يرثي أبا جنيد".

وهذا الاسم جنيدب كان معروفا عندهم، وأحد الغلمان الذين قتلوا معه اسمه: واقد بن جنيدب، كما ذكرنا.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[08 - 01 - 2011, 02:08 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

فإذا نظرت في كل ما ذكرناه، فهمت بيتي الوحشيات.

إذا نظرت فيما رواه أبو عبيدة من نداء الغلام والده عمرو بن الأسلع ثم نظرت في قول والده قبل أن يدرك ثأره:

2 - فإن خابت حبال بني سبيع ** ونعم القوم قوم إن أضاعوا

3 - فلا تيأس بذلك وانتظرني ** وشر حديث قائله سماعُ

4 - أتتك كأنها عقبان دجن ** تجاوب في حناجرها اليراعُ

بنو سبيع هم الذين دفعوا الغلمان إلى حذيفة، و"أتتك كأنها عقبان دجن"، يعني: الخيل، شبهها بعقبان أصابها مطر فهي تبادر إلى أوكارها، والدجن: الغيم، وشبه أصوات الخيل بأصوات مزامير اليراع وهو القصب، إذا نظرت في هذا كله فهمت قوله في الوحشيات بعدما أدرك ثأره:

ألم أُجِبْك بها مقورة شزبا ** تمري مراكلها الأقدام والقِدَدُ

يقول لابنه: دعوتني فأجبتك بالخيل مقورة شزبا، المراكل: جمع مركل وهو الموضع الذي تصيبه برجلك من الفرس، والقدد: السياط، أي: يضربون مراكل الخيل بأقدامهم وسياطهم يستخرجون بذلك جريها.

فالخطاب لابنه لكن أبا تمام لم يذكر الأبيات التي جاء فيها ذكره، فأصبح فهمها عسيرا، ولا عتب على أبي تمام في ذلك فهو يختار ما يعجبه من الأبيات ولم يلتزم بإيراد القصائد كاملة.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[08 - 01 - 2011, 02:20 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

وإذا علمت أن حذيفة كان يرميهم بالنبل وهم يصرخون ويتألمون إلى أن يموتوا، فهمت البيت الغامض في الوحشيات، ورأيت الخطأ في ضبطه:

5 - عَزَّ عليَّ ولم أَشهَد فَأُسْمِعَهُ ** فَرْطَ الأنين ودوني الفَرْدُ والجُمُدُ

وصوابه إن شاء الله:

5 - عَزَّ عليَّ - ولم أَشهَد فَأَسْمَعَهُ - ** فَرْطُ الأنين ودوني الفَرْدُ والجُمُدُ

فرطُ: فاعل عَزَّ، و"لم أَشْهَدْ فَأَسْمَعَهُ" جملة معترضة، فالهمزة همزة المضارعة، والفعل من "سَمِعَ" لا من "أَسْمَعَ".

يقول: شقَّ علي أنين الغلام وألمُه ولم أكن حاضرا فأسمع أنينَه وأمنعه من القوم، ولذلك قال: ودوني الفرد والجُمُدُ، وهما موضعان، أي: كنت بعيدا عنه لا أسمعه ولا يبلغني صوته، والله تعالى أعلم.

وقد فرغت بهذا من الكلام على مقطوعة عمرو بن الأسلع، فإن أكن أصبت ففضل الله تعالى، وإن أكن أخطأت فقد اجتهدت، وقد يُحرم المرء بعد اجتهاده، وبالله تعالى التوفيق.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015