ملتقي اهل اللغه (صفحة 5158)

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[29 - 12 - 2010, 11:08 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قد عرفت أن الشويعر مدح فرسه وذكر اكتناز متنيه على أكل الأياصر والنصي، فلما ذكر طعامه في البيت الأول أراد هنا أن يذكر شرابه، فإن الفرس يحتاج إلى الشراب كما يحتاج إلى الطعام أو أشد، ويؤثّر شرابه في قوة بدنه وتمام أعضائه كما يؤثر طعامه، فقال:

إن الضبيح طحا بمتـ ** ـنيه الأياصرُ والنصيّْ

والحالبُ العجلانُ كالمخراق والزِّق الرويّْ

فالحالب معطوف على الأياصر وكذلك الزِّق، فكأنه قال: طحا بمتنيه الأياصرُ والنصيُّ ولبنُ اللقاح، إذ كان معلوما أن اللبن لا بد له من حالب يحلبه، ولا بد له من وعاء يكون فيه.

وإيثار العرب خيلهم بألبان اللِّقاح أكثر من أن يحصى في شعرهم، واللِّقاح جمع لِقحة، وهي الناقة التي نُتجت فيكون لها لبن، تكون لقحة شهرين أو ثلاثة ثم هي لبون.

[والناس اليوم في جزيرة العرب يسمون الخَلِفة وهي واحدة الحوامل من الإبل يسمونها لْقَحَة، ويسمون اللِّقحةَ التي يكون فيها اللبن خَلْفَةً، فعكسوا الاسمين وغيروا في لفظهما.]

فنعود إلى ذكر إيثار العرب خيلهم بألبان اللقاح، فنذكر من ذلك شيئا يسيرا، لأننا لو أردنا الاستقصاء فيه لطال ذلك بنا جدا.

قال الأعرج المعني:

أرى أم سهل ما زال تفجع ** تلوم وما أدري علام توجَّعُ

تلوم على أن أمنح الوَردَ لِقحةً ** وما تستوي والورد ساعة نفزعُ

إذا هي قامت حاسراً مشمعلةً ** نخيب الفؤاد رأسها ما يقنَّعُ

وقمت إليه باللجام ميسراً ** هنالك يجزيني بما كنت أصنع

وقال خزز بن لوذان:

لا تذكري مهري وما أطعمته ** فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

إن الغبوق له وأنت مسوءة ** فتأوهي ما شئت ثم تحوبي

كذب العتيق وماء شن بارد ** إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي

وقال يزيد بن الخذاق:

قصرنا عليها بالمقيظ لقاحنا ** رباعية وبازلا وسديسا

فآضت كتيس الربل تنزو إذا نزت ** على ربذات يغتلين خنوسا

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[29 - 12 - 2010, 11:39 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

أما قوله: "والحالب العجلان كالمخراق"

فقد ذكر فيه عجلة هذا الحالب، كأنهم يستحثونه ويستعجلونه ليعجل باللبن إكراما لهذا الفرس وحرصا عليه. وقد ذكرني هذا ببيت النجاشي وإن كان ليس مثله في المعنى، لكنه ذكر فيه استعجالهم للحالب، إذ يقول:

قبيلة لا يغدرون بذمة ** ولا يظلمون الناس حبة خردلِ

إلى أن يقول:

وما سُمِّيَ العجلانَ إلا لقولهم ** خذ القعبَ واحلب أيها العبد واعجلِ

يهجو بذلك تميم بن أبي بن مقبل وهو من بني العجلان.

والشويعر شبه هذا الحالب العجلان لخفته وسرعته ونشاطه بالمخراق، والمخراق: المنديل يلف ليضرب به، وهو خفيف فتكون حركته وتقلبه في اليد سريعة جدا، فلذلك إذا أرادوا أن يصفوا حذقهم في القتال بالسيف، وسرعة ما يضربون به، شبهوه بمخاريق الولدان الذين يلعبون، قال قيس بن الخطيم:

أجالدهم يوم الحديقة حاسرا ** كأن يدي بالسيف مخراق لاعبِ

وقال عمرو بن كلثوم:

كأن سيوفنا منا ومنهم ** مخاريق بأيدي لاعبينا

وأما الزِّق فإن كثيرا من الناس يظنه الذي تنقل فيه الخمر دون غيرها، كما قال:

ويوم شديد الحر قصَّرَ طولَه ** دم الزق عنا واطفاق المزاهر

وليس الأمر كذلك في بيت الشويعر، بل الزِّقُّ هنا الوطب الذي يكون فيه اللبن.

قال في اللسان: "قال الأصمعي: "الزِّق الذي يسوَّى سقاء أو وطبا أوحميتا"اهـ

وقال في القاموس: "وبالكسر [يعني: الزِّق]: السقاء"

وقال (س ق ي): "السقاء، ككساء: جلد السخلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن"اهـ

هذا ما أردت أن أبينه في هذا البيت، وقد كتبته على عجل، والله تعالى أعلم.

ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[30 - 12 - 2010, 01:50 م]ـ

واصل يا كهلانيُّ، فإنك لم تزل في إحسانٍ، موفَّقًا إلى الصوابِ، مهديًّا إلى الحقِّ. وحرًى بكلِّ من كانَ لديه شيءٌ من العِلْم، ووقفَ على ما يُنكِرُه من عمَلِ المحقِّقين أن يُنبِّه عليه، ويكشِفَ عنه، فإنِّ في هذا نفعًا عظيمًا للعِلْم، وأهلِه.

ـ[أبو سهل]ــــــــ[31 - 12 - 2010, 07:08 ص]ـ

السلام عليكم ورحمة الله

التصحيف - حفظك الله - وإسقاطات الناسخين، وخطرَفة المحققين، أشبه شيءٍ بشبكة الصيّاد التي يُلقيها فخًّا، فإنك تجد فيها الخسيسَ من الصّيد إلى جَنْبِ الغزير، وتجد الخشاش مقرونًا بالكِبار، وكذلك التصحيف والتحريف، يقع فيه صِغار الناس، كما يقع فيه الجِلّةُ الكبار من المحققين والعلماء، وكلّما كان المُصحِّحُ أشهر وأعرف كان الضرَر عنه أشدّ وأكبر، وقد رأيتك سلكْتَ شِعابَ هذا الفنِّ فجئتنا بصنوف من الفوائد،وضروبٍ من النوادر، حتى عرّفتنا بلاءَك، وثمرة دراستك.

وقد ذكّرني صنيع شاكر بهذا البيت:

إن الضبيح طحا بمتـ ** ـنيه الأياصرُ والنصيّْ

وكشفِك له، حين جعله هكذا:

إن المنيح طحا به نِيَةُ الأياصر والنصيّْ

بقول الشاعر:

قَرَنوا الغداءَ إلى العشاء وأحضروا ** زادًا - لعمر أبيك - ليس بزادِ!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015