ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[26 - 12 - 2010, 02:22 ص]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
4 - إن المَنِيحَ طحا به نِيَةُ الأياصرِ والنصيّْ
بقي الموضع الثاني في هذا البيت، وقد وقف عنده الشيخ رحمه الله تعالى وارتاب فيه لكنه لم يهتد لوجهه، وهو معذور في ذلك، وأنا لو لم أقف على البيت في موضع آخر ما اهتديت لوجهه، قال رحمه الله تعالى في الحاشية المذكورة أولا:
"طحا به: ذهب به كل مذهب. ونِيَة: هكذا في الأصل، وأخشى أن تكون محرفة، فإلا تكن، فهي من قولهم: نوى الشيء نيَّة أي قصده بتشديد الياء، ونِيَة بفتحها مخففة, رواها اللحياني وحده، وهي نادرة ليست قياسا. والأياصر: جمع أيصر، وهو الحشيش المجتمع. والنصيّ: نبت معروف عندهم، وهو سبط أبيض ناعم من أفض المرعى للخيل، (شاكر) " انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
قلت: لما وقفت على البيت في كتاب "أسماء خيل العرب وفرسانها" لابن الأعرابي، عرفت صواب الموضع الذي أشكل على الشيخ رحمه الله، وكيف وقع فيه التحريف، والبيت كما أنشده ابن الأعرابي:
إن الضَّبِيحَ طحا بِمَتْـ ـنَيْهِ الأياصرُ والنصيّْ
فهذه كلمة واحدة: "بِمَتْنَيْهِ"، فحُرِّفت: "بِمَتْـ" إلى "بِهِ"، أما "ـنَيْهِ" فهي "نية"، ما خلا النقطتين على التاء المربوطة.
وتكون "الأياصرُ" على صحة البيت مرفوعة، لأنها فاعل "طحا"، بعد أن كانت مجرورة على أنها مضاف إليه والمضاف "نِيَةُ".
ولو نظرت في الوجه الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى لرأيته بعيدا مستكرها، فقد ذكر أن "نِيَة" بتخفيف الياء رواها اللحياني وحده، على أنها لو كانت معروفة عند غيره من أهل اللغة لم يكن معناها هنا حسنا، فما معنى أن يكون طحا بالفرس إرادةُ الأياصر وقصدُها، أيريد أنه يطلبها ويشتاقها فلا يهدأ لذلك، فهذا ليس مما تُمدح به الخيل، وسأبيّن معنى البيت في مشاركة أخرى إن شاء الله.
وبالله تعالى التوفيق.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[29 - 12 - 2010, 10:10 ص]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الضبيح طحا بمتـ ** ـنيه الأياصرُ والنصيّْ
طحا: أي ذهب به كل مذهب، كما قال الشيخ أبو فهر رحمه الله. قال علقمة بن عبَدة:
طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ ** بُعيد الشباب عصرَ حان مشيبُ
ومعنى بيت الشويعر مع البيت الذي بعده أن هذا الفرس عظُم متناه واكتنزا على أكل الأياصر والنصي وعلى شرب ألبان اللقاح.
والمَتنان: مُكتَنفا الصُّلب عن يمين وشمال.
وامتلاء المتنين واكتنازهما مستحب في الخيل، قال امرؤ القيس يصف فرسا:
لها متنتان خظاتا كما ** أكب على ساعديه النمر
قيل: أراد: خظتا، فرد الألف التي هي بدل من لام الفعل. وقيل: أراد: خظاتان، فحذف النون من المثنى في غير الإضافة.
يقال: خظا لحمه خظوًّا أي اكتنز. والمتنتان: لغة في المتنين. فوصف متنيها بالاكتناز والامتلاء.
وقال أبو دؤاد الإيادي:
ومتنان خظاتان ** كزحلوف من الهضب
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[29 - 12 - 2010, 10:36 ص]ـ
البيت الثاني:
والحالب العجلان كالمخراق والزِّق الرويّْ
قال الشيخ رحمه الله: "أخشى أن يكون أبو تمام قد وضع هذا البيت في غير موضعه، كعادته في تغيير ترتيب الشعر"
وهذا هو الكلام الذي أنكرته على أبي فهر رحمه الله في هذه المقطوعة. فالشيخ رحمه الله شكك في أبي تمام وجوز أن يكون أبو تمام قد غير ترتيب الأبيات، وإن كان الشيخ لم يجزم بذلك.
وقد قرأت مثل هذا الكلام لأبي فهر رحمه الله في غير ما موضع، يتهم أبا تمام بتغيير رواية الشعر ويقول: إنه كثير العبث بالشعر.
ومسألة تغيير أبي تمام للشعر وعبثه به لا أنفيها ولا أثبتها فإنها تحتاج إلى نظر وتأمل، وقد ذكر ذلك غير أبي فهر كالمرزوقي في مقدمة شرحه لديوان الحماسة، قال: "حتى إنك تراه [يعني أبا تمام] ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها في نقده. وهذا يَبِين لمن رجع إلى دواوينهم، فقابل ما في اختياره بها"اهـ
إنما الذي أنكره أن يكون هذا هجيرانا وديداننا، كلما أشكل علينا فهم موضع في ديوان الحماسة أو الوحشيات قلنا عبث فيه أبو تمام، وهذا قد وقع للشيخ رحمه الله هنا.
فإنه شكك القاريء وطالب العلم في هذا الموضع ثم لم يقم على كلامه هذا بينة، والبيت هذا في حاق موضعه ولا بد منه بعد البيت الذي قبله ليتم المعنى ويكمل، وسأبين ذلك إن شاء الله.
¥