ـ[صالح الجسار]ــــــــ[27 - 12 - 2010, 10:19 م]ـ
[أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ جَابَةً]
- قِصَّةُ المَثَلِ:
قال أبو عُبيد [1]: قال الزُّبيرُ: وأصلُ هذا فيما أخبرني به محمد بن سلاَّم قال: كان لسهيلِ بنِ عَمْرو ابنٌ مضعوف، قال: فقال إنسانٌ يوماً: أين أَمُّكَ؟ يريد: أين تَؤُم؟ فظن أنه يقول أين أُمُّك؟ قال: فحسبته قال: ذهبت تشتري دقيقاً، فقال سهيل: " أساء سمعاً فأساءَ جَابةً " فأرسلها مثلاً، فلما انصرف إلى زوجته أخبرها بما قال ابنها فقالت: أنت تبغضه فقال: أشْبَهَ امرؤٌ بَعْضَ بَزِّهِ [2].
- شَرْحُ المَثَلِ:
معنى المثل: أي أَنَّهُ أَسَاءَ السَّمْعَ وفَهِمَ الكَلامَ عَلَى غَيْرِ مَا يُرَادُ بِهِ فَأَجَابَ إجَابَةً لا تَمُتُّ لسُؤَالِ السَّائِلِ بِصِلَةٍ بَلْ هِيَ جَوَابٌ لأَمْرٍ آخَرٍ.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: مِنْ أَمْثَالِهِم في المُجِيبِ عَلَى غَيْرِ فَهْمٍ: أَسَاءَ سمعاً فأَسَاءَ جَابَةً. [3].
- مَسْأَلَةٌ:
وَرَدَ في المثالِ: (جَابَةً) وليس: إِجَابَةً.
وقد عَقَدَ ابنُ قُتيبة بابًا في أَدَبِ الكَاتِبِ وسمَّاهُ: ((بابُ ما لا يُهمز والعَوَامُّ تًهْمِزُهُ))
فقال: وَيُقال (أساءَ سَمْعاً فَأساءَ جَابَةً) هكذا بلا ألف وهو اسمٌ بمنزلةِ الطاقة والطاعة [4].
قال أبو عُبَيْدٍ: هكذا تحكى هذه الكلمة " جابة " بغير ألف، وذلك لأنه اسم موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنةً، فإذا أرادوا المصدر قالوا: أجاب إجابة، بالألف. [5].
وقَالَ ابنُ فَارِس: ويقولون في مَثَلٍ: "أساءَ سَمْعاً فأساء جابةً". وقال الكميتُ لقُضاعة في تحوُّلهم إلى اليمنِ:
وما مَنْ تَهتِفينَ له بِنَصْرٍ **** بِأسْرَعَ جابَةً لكِ مِنْ هَدِيلِ [6].
قال الأَزْهَرِيُّ: ((قال أبو الهيثم: جابةٌ اسمٌ يقوم مقام المصدر، وهو كقولهم: المالُ عارةٌ، وأطعتُهُ طاعةً، وما أُطيق هذا الأمر طاقَةً، فالإجابة مصدرٌ حقيقيّ، والجابةُ اسمٌ، وكذلك الجواب، وكلاهما يقومان مقَامَ المصدر)). [7]
وقَالَ الزَّبِيديُّ: وقال كُراع: الجَابةُ: مصْدرٌ كالإِجابةِ، قال أَبو الهَيْثَم: جابةٌ اسْمٌ يقُومُ مَقَام المصْدر [8].
قلتُ: لقد ذكر ابن قتيبة –كما تقدم- أنَّ العوامَّ تهمزُ (جَابةً) في هذا المثلِ, فيقولون: (أساء سمعًا فأساء إجابةً) فهذا لحن [9] , ولا يَصِحُّ هَمْزُهُ في هذا المثلِ, لأنَّ صَاحِبَ المثَلِ أرادَ الاسمَ هُنا فَقَالَ: ((..... فأساء جابةً)) ولم يُرِدْ المصدر, وإذا أَرَدْتَ المصْدَرَ تَقُولُ: ((أَجَابَ إجَابةً)) – كما ذَكَرَ أبوعبيدٍ في كَلامِه السَّابِقِ- فَيَتَّضِحُ لَنَا أنَّ لَفْظَ المَثَلِ الصَّحِيحِ هُو: (أَسَاءَ سمعًا فأَسَاءَ جابةً) وأنَّ مَنْ قَالَ: (إجابَةً) في هذا المثَلِ فقد أخطأ, والله أعلم.
ــــــــــــــــ
[1] الأمثال لابن سلاَّم ص53, دار المأمون للتراث, تحقيق: عبد المجيد قطامش, ط 1400هـ
وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (1/ 25) , دار الفكر, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش, ط2 1988م.
ولسان العرب لابن منظور (1/ 283) , دار صادر.
[2] ذكر الميداني هذه القصة في مجمع الأمثال (1/ 330) [دار المعرفة تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد] باختلاف, فقال-عندما كلَّم الأخنسُ ابنَ سُهيل-: ((قال الأخنس: حيَّاك الله يافتى, قال-أي الفتى-: لا والله ما أمي في البيت انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقًا)) ولم يذكر سؤال الأخنس عندما قال: أين أَمُّك؟ أي: أين تؤم –كما تقدَّم معنا- وهذه الرواية لا تصح والصحيح كما ذكره ابنُ سلاَّمٍ وغيرُه.
[3] الأمثال لابن سلام ص53
[4] أدب الكاتب لابن قتيبة ص286,المكتبة التجارية, تحقيق: محمد محيي الدين عيد الحميد, مصر.
[5] الأمثال لابن سلاَّم ص53
[6] مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 491 - 492) , دار الفكر, تحقيق: عبدالسلام هارون.
[7] تهذيب اللغة للأزهري (11/ 148) ,دار إحياء التراث العربي, تحقيق: محمد عوض مرعب.
[8] تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي (2/ 203) ,دار الهداية, مجموعة محققين.
[9] سألت شيخنا الدكتور سليمان خاطر عن لفظ (إجابة) في هذا المثل فأخبرني أنه لحن وهو مما تلحن فيه العامَّة.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[02 - 01 - 2011, 02:38 م]ـ
بارك الله فيك يا جسار
أَتقنتَ في عملك وأَحسنتَ، أَثابك الله عليه.
ـ[صالح الجسار]ــــــــ[07 - 01 - 2011, 12:08 ص]ـ
بارك الله فيك يا جسار
أَتقنتَ في عملك وأَحسنتَ، أَثابك الله عليه.
وفيك بارك, شكرًا لك أخي على لطف عبارتك, وأسأل الله أن يجزيني وإياك الأجر الجزيل وأن يُثقل موازيننا.
ـ[عمار الخطيب]ــــــــ[10 - 01 - 2011, 07:30 م]ـ
جزاكَ الله خيرا أخي الأستاذ الكريم.
أقول كما قال أخي الأستاذ الكهلاني: أتقنتَ في عملك وأحسنتَ، بارك الله فيك.
¥