وعليكم السلام، ورحمة الله، وبركاته،
بارك اللهُ فيكِ، ووفَّقكِ.
يذكرُ البلاغيُّونَ مِنَ المُحسِّناتِ البديعيَّة اللَّفظيَّةِ ما يُسمَّى بالقَلْبِ؛ نحو قولِ القاضي الأرَّجاني:
مودَّتُهُ تدومُ لِكُلِّ هَوْلٍ ... وهَلْ كُلٌّ مودَّتُهُ تدومُ
فلو قرأتِ البيتَ مقلوبًا؛ لأدَّاكِ إلى البيتِ نَفْسِهِ.
ومنه ما يُسمَّى بالتَّشريعِ؛ يقولُ الخطيبُ القزوينيُّ في "إيضاحِهِ": (وهو بناءُ البيتِ علَى قافيتَيْنِ، يصحُّ المعنَى علَى الوُقوفِ علَى كُلِّ واحدةٍ منهما)؛ نحو قولِ الحريريِّ في "المقامةِ الشِّعريَّةِ":
يا خاطِبَ الدُّنيا الدَّنيَّةِ إنَّها ... شَرَكُ الرَّدَى وقَرارَةُ الأكدارِ
دارٌ متَى ما أضحَكَتْ في يومِها ... أبكَتْ غَدًا بُعْدًا لها مِن دارِ
وإذا أظلَّ سحابُها لم يَنتَفِعْ ... منهُ صدًى لجهامِهِ الغَرَّارِ
غاراتُها ما تنقضي وأسيرُها ... لا يُفتدَى بجلالةِ الأخطارِ
كم مُزْدَهٍ بغُرورِها حتَّى بدَا ... متمرِّدًا مُتجاوِزَ المقدارِ
قلَبَتْ له ظهرَ المجَنِّ وأوْلَغَتْ ... فيه المُدَى ونزَتْ لأخذِ الثَّارِ
فارْبأْ بِعُمْرِكَ أن يَمُرَّ مُضيَّعًا ... فيها سُدًى من غيرِ ما استظْهَارِ
واقْطَعْ علائِقَ حُبِّهَا وطِلابِها ... تَلْقَ الهُدَى ورفاهةَ الأسرارِ
وارْقُبْ إذا مَا سَالَمَتْ مِن كيدِها ... حَرْبَ العِدَا وتوثُّبَ الغَدَّارِ
واعْلَمْ بأنَّ خُطُوبَها تَفْجَا ولو ... طالَ المَدَى ووَنَتْ سُرَى الأقْدَارِ
فإذا حَذَفْنَا آخِرَ تفعيلتين مِن كُلِّ بَيْتٍ؛ صارَتِ الأبياتُ قصيدةً أُخْرَى من مجزوءِ الكاملِ، علَى هذا النَّحْوِ:
يا خاطِبَ الدُّنيا الدَّنيْـ ... ـيَةِ إنَّها شَرَكُ الرَّدَى
دارٌ متَى ما أضحَكَتْ ... في يومِها أبكَتْ غَدَا
وإذا أظلَّ سحابُها ... لم يَنتَفِعْ منهُ صدَى
غاراتُها ما تنقضي ... وأسيرُها لا يُفتدَى
كم مُزْدَهٍ بغُرورِها ... حتَّى بدَا مُتمرِّدَا
قلَبَتْ له ظهرَ المجَنْـ ... ـنِ وأوْلَغَتْ فيه المُدَى
فارْبأْ بِعُمْرِكَ أن يَمُرْ ... رَ مُضيَّعًا فيها سُدَى
واقْطَعْ علائِقَ حُبِّهَا ... وطِلابِها تَلْقَ الهُدَى
وارْقُبْ إذا مَا سَالَمَتْ ... مِن كيدِها حَرْبَ العِدَا
واعْلَمْ بأنَّ خُطُوبَها ... تَفْجَا ولو طالَ المَدَى
أرجو أن يكونَ ما أوردتُّهُ مُوافِقًا لما طَلَبْتِ. ولعلَّ الأساتذةَ يُفيدونكِ أكثرَ.