ـ[(أبو إبراهيم)]ــــــــ[17 - 01 - 2011, 09:03 م]ـ
البسملة1
الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومن وَالاهُ ..
أمَّا بَعدُ ..
فمِن الأَبياتِ المشهورةِ الِّتي يُضرَبُ بِها المثَلُ فِيمَن يُنكِرُ إِحسانَ مَن أَحسنَ إليهِ، ويُجازِيه بِالإحسَانِ إِساءةً ـ كَجزاءِ سِنِمَّار ـ، قَولُ الشَّاعرِ:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايةَ كُلَّ يَومٍ ....... فَلمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُه رَمَانِي
وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوَافِي ....... فَلَمَّا قَالَ قَافِيةً هَجَانِي
والمشهورُ في البيتِ الأَوَّلِ (فلمَّا اشْتَدَّ) بِالشِّينِ المعجَمَةِ، مِن الاشْتِدَادِ والشِّدَّةِ، بمَعنَى: القُوَّةِ، يُقَالُ اشْتَدَّ الشَّيءُ، أيْ: قَوِيَ وصَلُبَ، وشَدَّ عَضُدَه: قَوَّاهُ.
هذا هو المشهورُ على ألسِنَةِ النَّاسِ في هذا البَيتِ.
لكنَّ الرِّوايةَ الصَّحيحةَ له:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايةَ كُلَّ يَومٍ ....... فَلمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُه رَمَانِي
(اسْتَدَّ) بِالسَّينِ المهمَلَةِ، مِن السَّدادِ بمعنَى: الاستِقَامةِ، والمرادُ: السَّدادُ في المرمَى،
وقد نبَّه إلى هذا كثيرٌ مِن أهلِ اللُّغةِ في مصنَّفاتِهم، كالخليلِ بنِ أحمدَ في (العَين)، والجوهريُّ في (الصَّحَاح)،
وابنُ مَنظورٍ في (اللِّسان)، والحريريُّ في (دُرَّة الغوَّاصِ) والصِّقلِّيُّ في (تَثقيف اللِّسانِ)، وغيرُهم.
،،،،،،،،،
ومِن ذلك ما جَاءَ في شَرحِ القَاموسِ للزَّبيدِيِّ:
«س د د: (سَدَّدَهُ تَسدِيدًا) أي: الرُّمحَ: (قَوَّمَه) كذا في الصَّحاحِ، وقالَ أهلُ الأفعالِ: سَدَّدَ سَهمَهُ إلى المرمَى: وجَّهَهُ.
زادَ في التَّوشيحِ: وبِالشِّينِ المعجَمَةِ، لغةٌ فيهِ.
وقالوا: سَدَّدَهُ: علَّمهُ النِّضالَ، وسدَّ الثَّلمَ: أصلَحَه وأوثقَه.
(وَ) سدَّده (وفَّقَهُ لِلسَّدَادِ) بِالفَتحِ (أي: الصَّوابِ مِن القَولِ والعَمَلِ) والقَصدِ مِنهُما.
والإِصابةُ في المنطِقِ: أن يكونَ الرَّجلُ مُسدَّدًا.
ويُقالُ: إنَّه لذُو سَدادٍ في مَنطِقه وتَدبيرِه، وكذلك في الرَّميِ.
(وسَدَّ) الرَّجلُ، والسَّهمُ بنفسِه، والرُّمحُ (يَسِدُّ، بِالكَسرِ) إذا (صَارَ سَديدًا) وكذَا القَولُ والعَملُ».
ثمَّ قالَ: «(واسْتَدَّ) الشَّيءُ: (اسْتقَامَ) كَـ: أَسَدَّ وتَسدَّدَ، وقالَ:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايةَ كُلَّ يَومٍ ....... فَلمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُه رَمَانِي
قالَ الأصمَعيُّ: اشْتَدَّ بِالشِّينِ المعجَمَةِ لَيسَ بِشَيءٍ.» اهـ (1)
،،،،،،،،،
وقالَ الصَّفديُّ:
«ويقولونَ: (اشْتَدَّ سَاعِدُه) والصَّوابُ: (اسْتَدَّ) بِالسِّينِ المهملَةِ، المرادُ به: السَّدَادُ في المرمَى، وعليهِ قولُ:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايةَ كُلَّ يَومٍ ....... فَلمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُه رَمَانِي
وقد رواهُ بعضُهم بِالشِّينِ المعجمَةِ، وأرادَ به القُوَّةَ، والذي رواهُ أبو يعقوب بنُ خُرَّزاد وغيرُه مِن جِلَّة العُلماءِ بِالسِّين غير معجمَةٍ،
قالَ: وسَمِعتُ أبَا القَاسمِ بنِ أبي مخلدٍ العُمانيَّ يأخذُ على رجلٍ أنشدَه بحَضرتِه بِالشِّينِ، فقالَ: مَعنَى (اسْتَدَّ): صارَ سَديدًا، والرَّميُ لا يُوصَفُ بِالشِّدَّةِ، وإنَّما يُوصَفُ بِالسَّدادِ» اهـ (2)
،،،،،،،،،
قلتُ: الرِّوايةُ الصَّحيحةُ لِلبَيتِ كما تبيَّن بِالسِّينِ المهملَة، والمعنَى عليها أَبلَغُ،
لكنْ يُمكنُ القولُ علَى ضَبطِ الكلمةِ بِالشِّينِ المعجمَةِ أنَّ المرادَ: اشْتَدَّ ساعدُه وقَوِيَ،
وهو إِشارةٌ إلى إتقانِه لِلرَّميِ بعدَ أن شبَّ وقَوِيَ، واللهُ تعالى أعلَمُ.
،،،،،،،،،
* فائدة: اختُلِفَ في نِسبة هذا البَيتِ:
ـ فقالَ ابنُ دُرَيدٍ: «هو لمالكِ بنِ فهمٍ الأزديِّ، وكان اسمُ ابنِه سُلَيمة، رماهُ بسَهمٍ فقتلَه، فقالَ البيتَ».
ـ وقالَ ابنُ بَري: «هذا البيتُ يُنسَبُ إلى مَعنِ بنِ أوسٍ، قالَه في ابْنِ أختٍ له».
ـ وقالَ ابنُ بَري كذلك: «ورَأَيتُه في شِعرِ عَقيلِ بنِ عُلَّفةَ، يقولُه في ابنِه عُميس حينَ رمَاه بسَهمٍ، وبعدَه:
فَلَا ظَفِرَتْ يَمِينُكَ حِينَ تَرْمِي ....... وَشَلَّتْ مِنْكَ حَامِلَةُ البَنَانِ» (3)
ـ ونَسبَه الصَّفديُّ في (تَصحيح التَّصحيفِ) إلى امْرِئ القَيسِ، وعلَّق المحقِّقُ على ذَلكَ، فقالَ: «البيتُ لَم يَنسِبهُ الحريريُّ في (دُرَّة الغَوَّاصِ) ـ وهو الكِتابُ الَّذي نَقلَ منه الصَّفديُّ ـ وذكرَ المحقِّقُ ـ لعلَّه يُريدُ محقِّقَ (دُرَّة الغَوَّاصِ) ـ أنَّه لمعنِ بنِ أَوسٍ، وقد نَسبَهُ الصِّقلِّيُّ في (التَّثقيف) لمعنٍ أيضًا، وذكرَ في (اللِّسان) عددًا ممَّن يُنسَبُ إليهم البَيتُ، وليسَ مِنهُم امرُؤ القَيس، وهو في دِيوانِ مَعنٍ (ص: 37). (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (تَاجُ العَروسِ: 8/ 177 ـ باب: الدَّال ـ مادَّة: س د د).
(2) (تَصحيحُ التَّصحيفِ وتَحريرُ التَّحريفِ ـ ص: 106).
(3) انظُر: (تاج العروس: 8/ 118 ـ باب: الدَّال ـ مادَّة: س د د).
(4) (تَصحيحُ التَّصحيفِ وتَحريرُ التَّحريفِ ـ ص: 106).
¥