ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[22 - 12 - 2011, 09:06 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وقد أخطأ ابن قتيبة -رحمه الله- في تفسير بيت الشماخ:
تطارد سيد صارات ويوما ** على خزان قارات الجموع
إذ قال في المعاني الكبير: "يقول: هذه العقاب تطارد الذئاب، وذلك أنها تقع على القتلى والذئاب عليها"
فمعنى كلام ابن قتيبة -رحمه الله- أنها ليس لها حاجة في الذئب، وإنما تقع على القتلى والذئاب عليها فتطردها عنها لتأكل من الجيف.
ولا شك أن هذا غير صحيح، فإن الشماخ يصف شدة هذه العقاب وبأسها في الصيد، وليس يصف تقممها ووقوعها على جثث القتلى، وترى هذا في قوله:
تلوذ ثعالب الشرفين منها ** كما لاذ الغريم من التبيع
فما تنفك بين عويرضات ** تجر برأس عكرشة زموع
فذكر خوف الثعالب وهربها منها، وذكر فتكها بالأرانب واصطيادها لها، فكيف يذكر مع هذا أنها تقع على جثث القتلى وهذا من شأن خساس الطير كالنسور وغيرها.
ثم إن المعنى الذي ذكره ابن قتيبة -رحمه الله- متكلف غامض، فإن الشماخ ما ذكر قتلى ولا جيفا، ولا يفهم ذلك من البيت، بل البيت على ظاهره، "تطارد سيد صارات" أي تطارد هذا الذئب لتصطاده وتأكله.
ولعل ابن قتيبة -رحمه الله- ما كان يحسب أن العقاب تصيد الذئب، وهو معذور في هذا، فاصطيادها للذئب أمر عجيب.
والله أعلم
ـ[أحمد السيد عبد اللطيف]ــــــــ[20 - 01 - 2012, 07:35 م]ـ
هذا البيت أقرب الابيات فى وصف الصورة فكأن الشاعر كان واقفاً بجوار من التقط الصورة بالرغم من البعد الزمنى بينهما
كأن حرباءها في كل هاجرة ** ذو شيبة من رجال الهند مصلوب
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[29 - 02 - 2012, 02:25 ص]ـ
ليس الأمر كما تصورتَ أخي الحبيب، فالبيت الذي أنشدتَه لا يناسب هيئة الحرباء التي في الصورة، ولا يصلح وصفا لها، فانظر إلى الصورة التي وضعها الأستاذ الكريم أبو سهل مرة أخرى:
http://www.mekshat.com/pix/upload03/images112/teseah-25.jpg
هيئة الحرباء في هذه الصورة لا تشبه هيئة المصلوب التي وصفها ذو الرمة، ألا ترى أن كَفَّي هذا الحرباء مضمومتان عند عنقه، وهذه الهيئة لا تشبه هيئة المصلوب، بل هذه هيئةُ من غُلَّت يداه إلى عنقه، أما المصلوب فإن يديه تكونان منفرجتين ممدوتين عن يمينه وشماله، فليس بيت ذي الرمة في وصف هيئته التي في الصورة، بل هو في وصف هيئته إذا كان في شجرة قد مد يده اليمنى فأمسك بها غصنا ومدَّ يده اليسرى فأخذ بها غصنا آخر، فإنه حينئذ يشبه المصلوب.
وهذه الهيئة التي تشبه هيئة المصلوب يفعلها الحرباء دائما إذا كان في الشجر، وتجد وصف هيئته هذه في كلام أبي هلال الذي نقلته الأستاذة الكريمة عائشة إذ يقول:"الحِرباء: دويبّة كالعظاية، تأتي شجرةً تعرف بالتَّنْضُبَةِ، فتُمسِكُ بيديها غُصنين منها، وتُقابِلُ بوجهها الشَّمس"
وتجده أيضا في شعرهم، قال الشاعر:
أنى أتيح لها حرباء تنضبة ** لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا
أي لا يترك الغصن إلا إذا أمكن يده الأخرى من غصن آخر.
ووصْفُ هيئته هذه تجده أيضا في شعر ذي الرمة الذي أنشده الأستاذ الكريم أبو سهل إذ يقول:
ويشبح بالكفين حتى كأنه ** أخو فجرة عالى به الجذع صالبه
فإنه شبهه بالمصلوب في هذه الحالة التي يشبح فيها بكفيه، أي يمُدُّهما فيأخذ بكل كف غصنًا، قال في اللسان: "شبح يديه يشبحهما: مدَّهما"، أما الصورة التي عندنا فإن يدي الحرباء فيها غير ممدودتين، بل هما مضمومتان.
** فتبين أن البيت ليس في وصف هيئة الحرباء التي بالصورة، وكذلك باقي الأبيات التي أنشدها الأستاذ الكريم أبو سهل كلها في وصف الهيئة التي بيّنّا وليس شيء منها في وصف الهيئة التي بالصورة، والله أعلم.
ـ[عمار الخطيب]ــــــــ[10 - 08 - 2012, 11:05 ص]ـ
إنما الذي أردته أنه شبه الحلق نفسها في تراصها وترتبها بالقشور المذكورة، والشبه بينهما ظاهر جدا، ويجوز أن أكون قد أخطأت في ظني وتقديري، ومن الذي لا يخطئ ويسهو!
لعلك لم تخطئ في ظنك وتقديرك يا أبا حيان.
أبا حيان! ما المانع في أن يكون الشاعر شبَّه الدِّرع بحراشف السمكة الصغيرةِ بجامعِ الملوسةِ، والبريقِ، وبجامع الحلَقات المدوَّرة في كلٍّ منهما؟
لعلَّ الشاعر أراد بهذا الإشارةَ إلى أنَّ حلق الدرع متلاحمة النسج (تداخل حلق الدرع بعضها في بعض) + ملساء براقة = كحراشف السمك ... ألا ترى معي أنَّ حراشف السمك تحمل هاتين الصفتين؟
ثم ألا يجوز لنا أن نستشهد بقول عبيد بن الأبرص (ديوانه ص73 - 74):
إذا قبضتْ عليه الكفُّ حينا ** تناعَصَ تحتها أي انتِعاصِ
وَباصَ وَلاصَ مِن مَلَصٍ مَلاصٍ ** وحوتُ البَحرِ أَسوَدُ ذو مِلاصِ
(كَلَونِ الماءِ أَسوَدُ ذو قُشورٍ ** نُسِجنَ تَلاحُمَ السَّرْدِ الدِّلاصِ)
بارك الله فيكم.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[11 - 08 - 2012, 02:37 م]ـ
شيخنا الحبيب الفاضل أبا حازم قد أحسنتَ غاية الإحسان وأجدتَ أعظم الإجادة.
أما الشاهد الذي أوردتَه من شعر عبيد بن الأبرص فعجب من العجب، ولا أدري كيف وقفتَ عليه، وقد قلتُ في نفسي: كأن أبا حازم نظم هذا البيت ليكون شاهدا على ما نحن فيه فوضعه على الصورة التي أريد، وإنما قلت هذا لأن هذا الشاهد كأنه يتحدث عما في نفسي وبما كنت أعتقده في هذه المسألة، وهذا الشاهد نادرة من النوادر، وما كنت أظنني سأقف على مثله في هذه المسألة، وأحسبه سيفتح مجالا جديدا للقول فيها، فأسأل الله أن يجزيك خير الجزاء يا أبا حازم، وينفع بك، ويبارك فيك.
وما ذكرته من أنه يجوز أن يكون شبه الدرع بظهر السمكة في تلاحم حلقها وفي بريقها ولمعانها فيكون شبهها بها في الأمرين جميعا = كلام جميل جدا، وأحسبه أقرب شيء إلى الصواب، وقد نبه على ذلك أيضا الأستاذ فيصل المنصور، فلعل ذلك هو الصواب، والله أعلم، ولك الشكر الكثير على هذه المشاركة النفيسة.
¥