ملتقي اهل اللغه (صفحة 5122)

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[02 - 12 - 2011, 07:17 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أن شعراء العرب يشبهون الناقة في شدة عدوها بالظليم، والظليم ذكر النعام، وهذا أكثر من أن يحصى في شعرهم، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى يصف ناقة:

كأن الرحل منها فوق صعل ** من الظِّلمان جؤجؤُهُ هواءُ

أصكَّ مصلَّم الأذنين أَجنى ** له بالسيِّ تَنُّومٌ وآءُ

والنعام ليس له آذان ظاهرة، فلذلك ترى العرب يذكرون في أشعارهم أنه مصلّم الآذان، أي مقطع الآذان، وهم يعلمون أنه لم يخلق له آذان.

** فإن قيل: كل الطيور ليس لها آذان ظاهرة، فلِمَ خصت العرب النعام بهذا القول ولَم تقل عن الحمام ونحوه: إنه مصلم الآذان؟

قلنا: لما كان النعام مختلفا في خلقته عن الطيور، ومباينا لها، وكان عظيم الخلقة، ذا شبه بالإبل ونحوها = جعلت العرب تعجب من كونه بلا آذان ظاهرة، وهم يرون الإبل والخيل وغيرها ذوات آذان.

** والنعام تشبه الإبل في طول أعناقها، وارتفاع ظهورها، وطول أرجلها وغلظها، ولها أخفاف ومناسم، قد نص أهل اللغة على تسميتها بالأخفاف والمناسم، ودل على ذلك شعر العرب، قال ثابت بن أبي ثابت اللغوي في كتاب الفرق:

"يقال: خف البعير، والجمع: أخفاف، ويقال للنعامة خف أيضا، وقال الراعي يصف ناقته:

ورجل كرجل الأخدري يشلها ** وظيف على خف النعامة أروحُ"

وقال علقة الفحل يصف الظليم:

يكاد منسمه يختل مقلته ** كأنه حاذر للنخس مشهومُ

يقول: يعدو عدوا شديدا حتى يكاد منسمه يصيب عينه من شدة ارتفاعه في العدو.

** والأخفاف لها وللإبل بمنزلة الأقدام للناس، والمناسم منها بمنزلة الأظفار من الناس، ولذلك تجد كثيرا من العلماء يقولون: المنسم طَرَف الخف، وأحسن منه أن يقال: المنسم منها بمنزلة الظفر من الإنسان.

** فإذا أردت أن ترى لم شبه العرب الناقة في شدة عدوها بالظليم فانظر إلى هذا المقطع، وانظر إلى طول أعناق النعام، وارتفاع ظهورها، وطول قوائمها وغلظها، وحركة أرجلها في العدو، وشدة عدوها:

http://www.safeshare.tv/w/OMyصلى الله عليه وسلمlChKet

والكلام لعمري يطول جدا، وإنما نريد الاختصار، وقد أمسكت عن ذكر عشرات الأبيات وتفسيرها، وبالله التوفيق.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[02 - 12 - 2011, 10:31 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أن هذا مجلس من مجالس الأدب، فلذلك قد ترى في كلامي خروجا عن المقصود واستطرادا لذكر فائدة، أو إيراد لطيفة، وذلك حسن جدا في الأدب.

** كنت قبل نحو من تسع سنين أحفظ معلقة عبيد بن الأبرص، فحفظت فيها قوله في وصف الفرس:

كأنها لِقوة طلوب ** تخرُّ في وكرها القلوب

اللِّقوة بكسر اللام: العُقاب، أما اللَّقوة بفتحها فَداءٌ يصيب الوجه، فيسترخي شِق الوجه منه، قال ابن المرحل -رحمه الله- في موطأة الفصيح في باب (فُعِل بضم الفاء):

وفُلج الرجل مثل لُقيا ** بفالج ولَقوة قد بليا

والفالج استرخاء شق الرَّجُل ** من خدر وهو أضر العللِ

كذلك اللَّقوة إلا أنها ** تختص بالوجه فقيدنَّها

ثم قال عبيد بن الأبرص:

فأبصرت ثعلبا سريعا ** ودونه سبسب جديبُ

ثم ذكر اصطيادها له، ثم قال:

يضغو ومخلبها في دفِّه ** لا بد حيزومه منقوبُ

فكنت أعجب من هذا وأقول: ما للعُقاب والثعلب وهو من ذوات المخلب والناب! وكيف تقدر عليه العُقاب وهي إنما تصيد الأرانب وما شابهها!

ثم قرأت بعد ذلك بسنين قول الشماخ يصف العقاب:

تطارد سِيدَ صارات ويوما ** على خِزَّان قارات الجموع

فما تنفك بين عويرضات ** تجر برأس عكرشة زموعِ

السِّيد: الذئب، وقد سمَّت العرب أبناءها بذلك، منهم بنو السيد قوم من ضبة، قال عبد الله بن عنمة الضبي:

ما إن ترى السِّيد زيدا في نفوسهم ** كما تراه بنو كوز ومرهوبُ

وقال الفرزدق -وأخواله من ضبة-:

بنو السِّيد الأشائم للأعادي ** نموني للعلا وبنو ضرارِ

والخِزان: جمع خُزَز، وهو ذكر الأرانب، وقد سمت العرب به أيضا، منهم خزز بن لوذان، شاعر، وهو الذي يقول:

لا تذكري مهري وما أطعمته ** فيكون جلدك مثل جلد الأجربِ

وتنسب هذه الأبيات أيضا لعنترة.

والعكرشة: الأنثى من الأرانب، وقد سمت به العرب أيضا، منهم عكرشة العبسي أبو الشغب، وهو من شعراء الحماسة، وله مقطعات جياد في رثاء أبنائه شغبٍ وإخوته، منها قوله:

وآخر عهد منك يا شغب شمَّةُ ** بشرج وداعا والمطي بنا تسري

فكان وداعا لا تلاقي بعده ** وبَينًا إلى يوم القيامة والحشرِ

فعجبت من قول الشماخ -رضي الله عنه- أشد من عجبي من قول عَبيد إذ كان الذئب أبأس من الثعلب، وأعظمَ منه غَناءً، وكنت أعلم أن العرب لا يتكلمون إلا عن تجربة ومشاهدة وأن قولهم في مثل هذا حجة غير أني لم يطمئن قلبي حتى رأيت صنيع العقبان بالذئاب بعيني.

فانظر إلى هذا المقطع ماذا تصنع العقبان فيه بالذئاب، وكيف تصطادها كما تصطاد الأرانب:

http://www.safeshare.tv/w/SbidbVQQgk

وانظر في المقطع أيضا كيف تبدأ بصدره فتنقب عن قلبه بمِنسَرها، ثم انظر قول عبيد:

لا بد حيزومه منقوبُ

والحيزوم: الصدر، فتأمل كيف عرف هذا الأعرابي ذلك الشيء من صنع العقاب.

وكذلك قوله:

تخرُّ في وكرها القلوبُ

والعقاب تصنع هذا بصيدها كله الذئاب والطيور وغيرها، ولذلك قال امرؤ القيس في وصف العقاب:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ** لدى وكرها العناب والحشف البالي

والله تعالى أعلم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015