الثالث: أن يكونَ شبَّه الدِّرع بالسمكة الصغيرةِ بجامعِ الحلَقاتِ المدوَّرة في كلٍّ منهما.
الرابع: أن يكونَ شبَّه الدِّرع بالسَّمكة الصغيرةِ بجامعِ الملوسةِ، والبريقِ، وبجامع الحلَقات المدوَّرة في كلٍّ منهما.
وذكرتُ أنِّي ما زِلتُ أرجِّح الوجه الأوَّل. وذلك لأمرينِ:
الأوَّل: أن (الدِّلاصَ) هو المتناهي في الملوسةِ. وإذا كانَ كذلك، فالوجهُ أن يحمَلَ التشبيهُ بعدَه علَى أن يكونَ تفسيرًا له، فيكون متعلِّقًا به، وليس خبرًا ثانيًا. وهذه سنَّة العربِ في كلامِها، ألا ترَى أنَّك إذا قلتَ: (زيدٌ كريمٌ كالأسَدِ)، فهِم السَّامِع أنَّك تشبِّه زيدًا بالأسَد بجامعِ الكرَم، ولا يَفهَم أنَّك تخبِر عن زيدٍ بأنَّه كريمٌ، وبأنَّه كالأسَد في الشَّجاعةِ. فكذلك لو قلتَ: (الدِّرع ملساءُ كظهر النُّون)، فإنَّ المفهُوم من هذا الكلامِ أنَّك أخبرتَ عن الدِّرعِ بأنها ملساءُ، ثمَّ أردتَّ أن تمثِّل لهذه الملوسَةِ، فقلتَ: هي كملوسةِ ظَهرِ النُّون. ولا يُفهَم من هذا بأنَّ تشبيهَها بظهر النُّون هو من وجهٍ آخَرَ غيرِ الملوسةِ. وقد ذكرتُ في ما سلفَ من القولِ أنَّ السَّمكةَ الصغيرةَ، والكبيرةَ توصَف بالملوسَةِ. ولذلك سمَّوها ملِصةً لأنها تَزِلُّ عن اليدِ لملوستِها. وهذا معروفٌ مشاهَد.
وقد أشرتُ إلى هذا الوجه إشارةً مقتضبةً بقولي:
(لأنَّه أرادَ أن يبيِّن قولَه: (دِلاص)، و (الدلاص) كما ذكرتُ هي (الملساء، البَراقة)، فشبَّهَها لذلك بالحوتِ من هذه الجهةِ).
الثاني: أنَّه لا أحد يخالِف في أن (النُّون) يطلق على السمكة الكبيرةِ لنزولِ القرآن بذلك. ولكن قد ينازَع في إطلاقِه على السمكة الصغيرة. فلهذا رددنا المشتبِه إلى المحكَم، والمختلَف فيه إلى المتفَق عليه.
ويلي هذا الوجهَ أو يساويهِ في القوَّة الوجهُ الثانِي. وذلكَ على أن نجعلَ (النُّون) بمعنى السمكة الصغيرةِ.
وقد نازَعتُ من قبلُ في الوجهِ الثالثِ، ثمَّ رأيتُه جائِزًا غيرَ مستنكَرٍ، ولا مدفوعٍ، إذْ كانُوا قد سمَّوا حُبُك الدِّرع حرشَفًا كما في الكلامِ الذي نقلتُه عن أبي منصور الأزهريِّ. وهو ما يدلُّك على ملاحظتِهم الشبَه بينَه، وبين حرشَف السَّمكِ. وإذن فقد يجوز أن يشبِّهوا الدِّرعَ بالسَّمكِ من هذا الوجهِ، غيرَ أنَّ الذي ضعَّفَه عندي في بيتِ مزرِّدٍ هو قولُه: (دلاصٌ). وراجِع ما شرحتُه في الأمر الأول من مرجِّحات الوجه الأوَّلِ.
فأما الوجه الرابِع، فلعلَّه كالوجه الثاني في القوَّةِ، لأنَّه لا يخالفُ قوله: (دِلاص)، غيرَ أنَّه ليس من الظاهرِ أن يكونَ الشَّاعر أرادَ ذلك، لأنَّه ليس من عادةِ الشُّعراء الأقدَمين كمزرِّدٍ أن يستكثِروا من وجوهِ الشّبَه، ولا سيَّما أنَّهما غيرُ متجانِسينِ، لأنَّ أحدَهما متعلِّق بالملمس، والآخَر بالمنظَر.
وإذا كانَت هذه الوجوهُ كلُّها محتمَلة على تفاوُتٍ بينَها، فما الذي أنكرنَاه من ردِّ أبي حيَّانَ الأوَّلِ؟
الذي أنكرناه من ذلكَ هو قولُه: (إن الدرع ليست بملساء)، ثمَّ ردُّه ما ذكرَه أبو محمدٍ الأنباريّ من أنَّ مزرّدًا شبَّه الدرعَ بالسمكةِ بجامعِ الملاسةِ، واللِّين. فأما اللِّين، فلم أواطئ أبا محمَّدٍ عليه، وأما الملاسةُ، فلم أرَه غلَّ فيها عن القصدِ، بل هي أصحُّ الأوجهِ الأربعةِ، وهي الوجه الأول، والثاني منها، وإنْ كانَ الوجه الذي ذكرَه أبو حيَّان مقبُولاً محتمَلاً، إلا أنَّه دونَ ما ذكرَه أبو محمَّدٍ للأمرين اللذين ذكرتُ آنِفًا.
فأما الحوتُ، فإنه وإن كانَ يُطلَق على صغيرِ السَّمك، وكبيرِه، فقد كاد يغلِبُ على الكبيرِ من السَّمك كما غلبَ لفظُ (البحر) على الماءِ الكثير المِلْحِ، وإن كانَ في الأصلِ يشمَل المِلْحَ، والعذْبَ، قال الشاعرُ:
ونحن منعْنا البحرَ أن تشربُوا به ... وقد كان منكم ماؤُه بمكانِ
ولذلك فكلُّ موضعٍ ذكرتُ فيه الحوتَ، فإنما أردتُّ ما استقَرَّ عليه معنَاه، وهو إطلاقُه على الكبيرِ من السَّمَك. ولستُ أنفِي إطلاقَه على ما سِوى ذلك.
وذكرَ أخونا أبو حيَّان أيضًا أن الحِيتان الكبيرةَ لا تكونُ إلا في البِحار. والصحيح أنَّ من الحِيتانِ الكبيرةِ، وهو ما يُسمَّى بالدُلفينِ، أو الدُّخَس، أو خنزير البحر ما يعيش في الأنهَارِ. وهذه فائِدةٌ أحببتُ سوقَها، وما أريدُ بها إنكارَ أن يُطلق لفظُ الحوت على ما صغُر من السَّمَك.
والله الموفِّق.
ـ[الحريري]ــــــــ[21 - 09 - 2011, 07:35 ص]ـ
أحسن الله إليكما وبارك فيكما ونفعنا بعلومكما.
أن (الدِّلاصَ) هو المتناهي في الملوسةِ. وإذا كانَ كذلك، فالوجهُ أن يحمَلَ التشبيهُ بعدَه علَى أن يكونَ تفسيرًا له، فيكون متعلِّقًا به، وليس خبرًا ثانيًا. وهذه سنَّة العربِ في كلامِها.
أحسن الله إليك، قد كنت أميل مع قول أبي حيان حتى ورد علي من هذا ما لا أستطيع دفعه، فالآن حين أبصرت.
ـ[ثواني الفجر]ــــــــ[22 - 11 - 2011, 11:33 ص]ـ
رائع يا أستاذي صالح العمري وأكثر.
¥