فقولُهم: (دِرع دِلاصٌ) يريدونَ أنَّها الغايةُ في الملوسَةِ، حتَّى إنَّها تبرقُ، وتلمَع. وهم يستحِبُّون ذلكَ في صفتِها، ألا ترَى إلى قولِ أوس بن حجَرٍ:
وأملسَ صُوليًّا كنِهي قرارةٍ ... أحسَّ بقاعٍ نَفحَ ريحٍ فأجفلا
كما أنَّهم يستحبونَ فيها أن تكونَ ليِّنةً، أي سهلةَ التثنِّي، إذْ كان هذا دالاًّ على صِغَر قتيرِها، وطواعيتِها للابسِها. ولذلكَ قالَ عمْر بن معدِيكربَ:
وأعددت للحرب فضفاضةً ... دِلاصًا تثنَّى علَى الراهشِ
وقالَ الراجزُ:
* مقلِّصًا بالدرع ذي التغضُّنِ *
وقالَ سلامة بن جندل:
فألقَوا لنا أرسانَ كلِّ نجيبةٍ ... وسابغةٍ كأنها مَسُّ خِرنِقِ
والخرنِق: ولدُ الأرنبِ.
ولذلك شبَّهوا الدِّرعَ بالغديرِ إذا صفَّقتْه الرياح. وذلكَ لاضطرابِه، وركوبِ بعضه بعضًا. وهذا قريبٌ من صورةِ تثنِّي الدِّرعِ، وتغضُّنِها، قالَ الشاعرُ:
كماء الغدير زفَتْه الدبورُ ... يجرُّ المدجَّج منها فُضولا
وأما (النُّون)، فالأعرفُ فيه أن يكونَ (الحوتَ)، قالَ تعالَى: ((وذا النُّون إذ ذهبَ مغاضِبًا))، وقالَ: ((فالتقمَه الحوتُ))، فدلَّ هذا على أن النونَ هو الحوتُ.
وإذن فمعنَى بيتِ مزرِّد هو أنَّ هذه الدِّرعَ ملساءُ، كأنَّها لملوستِها سمكةٌ. وهذا من صفةِ السَّمك، فإنها تنملصُ من اليدِ. قالَ عليُّ بن المبارَك الأحمرُ صاحبُ الكسائيِّ (ت 194 هـ) كما روَى عنه أبو عبيد (ت 224 هـ) في (الغريب المصنف): (الملِص: الشيء الذي يزلَق من اليد. ويقال للسمكة: ملِصةٌ). وفي (اللِّسان): (وسمكة ملِصة: تزِلّ عن اليد لملاستها).
وهذا كما رأيتَ تشبيهٌ بديعٌ.
فأمَّا مسامير الدروعِ، فإنهم أكثر ما يشبهونها بعيون الجرادِ كما قالَ الشاعرُ:
لباسهمُ إذا فزِعوا دروعٌ ... كأن قتيرَها حدقُ الجَرادِ
وبعيدٌ أن يكونَ مزرِّد قد أرادَ أن يشبِّه حلقَ الدرعِ بحراشفِ السمكةِ. وذلكَ لأمورٍ، منها أنَّا إذا فسَّرنا النونَ بالحوتِ، فإنَّ الحوتَ لا حراشفَ له يمكنُ أن تشبَّه بها رءوس مساميرِ الدرع. ومنها أن الحراشِف تكونُ على جنبَي السمكة. وليس على ظهرها. ومنها أن هذا لا نظائرَ له في أشعارِهم.
فسواءٌ كانَ مزرِّد أرادَ بالنونِ السمكةَ الصغيرة، أم الحوتَ، فإنَّما أرادَ الملوسةَ فيها، واللمعانَ، ولم يرِد حراشِفها.
وإذن، فقد أصابَ أبو محمدٍ الأنباريُّ إذ قالَ: (والنون: السمكة. شبَّهَها بها في ملاستها، ولينها)، إلا كلمةَ (ولينَها)، فإنَّ الدرعَ، وإن كانت توصف بذلكَ، فلا أراه أرادَ ذلكَ في هذا الموضعِ، لأنَّه أرادَ أن يبيِّن قولَه: (دِلاص)، و (الدلاص) كما ذكرتُ هي (الملساء، البَراقة)، فشبَّهَها لذلك بالحوتِ من هذه الجهةِ. وعلَى أنَّ السمكَ أيضًا ليسَ غايةً في اللِّينِ، فيكونَ أصلاً في التشبيه.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[23 - 04 - 2011, 12:33 ص]ـ
أشكر أخوي الكريمين الأستاذ الأديب فيصل المنصور والأستاذ الأديب أبا العباس على مشاركتهما.
ولن أناقش الآن هذه المسألة لغرض في نفسي، ولكني أحببت أن أنبه على شيء في كلام أستاذنا الأديب فيصل المنصور.
فقد قال وفقه الله: "فأمَّا مسامير الدروعِ، فإنهم أكثر ما يشبهونها بعيون الجرادِ كما قالَ الشاعرُ:
لباسهمُ إذا فزِعوا دروعٌ ... كأن قتيرَها حدقُ الجَرادِ"
وهذا تشبيه يعرفه من له أدنى مشاركة في الأدب، وإن كان قد خفي عليّ مثل هذا فلا خير فيّ.
وكأن أستاذنا أبا قصي -وفقه الله- يظنني أزعم أن مزردا شبه مسامير حلق الدرع بقشور السمك، وأنا ما ذكرت المسامير من قريب ولا بعيد، فالمسامير صغيرة تكون بين حلق الدرع وهي تشبه عيون الجراد جدا لكنها لا ترى في الصورة لصغرها.
إنما الذي أردته أنه شبه الحلق نفسها في تراصها وترتبها بالقشور المذكورة، والشبه بينهما ظاهر جدا، ويجوز أن أكون قد أخطأت في ظني وتقديري، ومن الذي لا يخطئ ويسهو!
وأقول لأستاذنا الأديب الحبيب فيصل المنصور: اعلم علم يقين أنني لا أكره أن يرد علي أحد خطئي ويناقشني فيه، بل أشكره على ذلك وأحفظه له، لكنني رأيت بعض الناس قد ظهرت منهم أشياء ساءتني، وأسروا في أنفسهم علينا من غير أن نكون قد أسأنا إلى أحد منهم، فالله المستعان.
وحالي مع الأدب وبعض طلاب الأدب كما قال الأول:
فوالله ما قصرت فيما أظنه ** رضاك ولكني محِبٌّ مكفَّرُ
فإذا أحسن المرء مقتوه وكرهوه، وإذا أساء فرحوا بسقطه وعثاره، فهو على الحالين غير مرضي عندهم.
أتمنى أن تتقبل كلامي هذا بصدر رحب، ونفس طيبة، فإني ما قصدتك من قريب ولا من بعيد.
وبالله تعالى التوفيق.
ـ[ابن قتيبة]ــــــــ[17 - 06 - 2011, 03:39 ص]ـ
أما أن الجمهور على عدم التحريم فهذا محل نظر مشروع مبتكر نافع جدا لطلاب العربية ومحبيها خاصة أهل المدن منهم فكثير منهم لا يخرجون إلى البوادي إلا قليلا
ولا حرج فيما أرى بإرفاق الصور ذات الروح فجمهور أهل العلم المعاصرين على عدم دخول الصور الفوتغرافية في مسمى الصورة الشرعية المحرمة الواردة في النصوص ومنهم ابن عثيمين فكيف إذا انضاف إلى ذلك إرفاقها لمقصد تعليم وتفهيم لغة الشرع
متابعون بولع واشتياق ونهم
وجزاكم الله خيرا
¥