ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[26 - 08 - 2011, 11:21 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
2 - وأما "إلى" في قوله: "ألا هل إلى ذات القلائد" فتحريف أقبح من الأول، وإذا تأمَّلته لم تجد له معنى هنا، ولم تخرج منه بطائل، وصوابه: "أتى"، يقول: هل أتاها خبري ونما إليها، وهذا من أساليب العرب، قال يزيد بن الخذاق الشني:
أَلا هَلْ أَتاها أَنَّ شِكَّةَ حازِمٍ ** لَدَيَّ وأَنِّي قد صَنَعْتُ الشَّمُوسا
وقال بشر بن أبي خازم:
أَلا هَلْ أَتاها كيف ناوأ قومها ** بجَنب قلاب إذ تدانى القبائلُ
وقال عنترة بن شداد العبسي:
أَلا هَلْ أَتاها أن يوم عراعر ** شفى سقما لو كانت النفس تشتفي
3 - وأما "قَرَّتي" فتصحيف قبيح جدًّا، وأحسبه أقبح من التحريفين الأولين، وصوابه: "فَرَّتي"، يقول: هل نما إلى هذه المرأة خبرُ فراري من القوم، وهربي منهم؟
والفَرَّة (فَعْلَة) , وهي المرَّة الواحدة من الفرار، قال ابن مالك:
وفَعْلَة لمَرَّة كجَلْسَه ** وفِعْلَة لهَيئَةٍ كجِلْسَه
وإنما أراد فرَّته من بني عامر، وقد ذكرنا خبرها الذي رواه أبو الفرج، أما "القرَّة" فلا معنى لها هنا، وقد وصف هو في الأبيات فرَّته هذه يوم قال:
فما الظبي أخطت حلقة الظفر رجله ** وقد كاد يلقى الموت في حلقة الظفر
بمثلي غداة القوم بين معيع ** وآخر كالنشوان مرتكز يفري
يقول: ليس الظبي غداة فررتُ منهم بمثلي في سرعة العدو.
وهذان البيتان فيهما تحريف وتصحيف في الأغاني وفي حماسة البحتري، ولن نتكلم عنهما الآن.
والله أعلم، وللحديث بقية إن شاء الله.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[16 - 10 - 2011, 09:29 ص]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
لعلنا نعود إلى إكمال ما كنا فيه من الحديث في وقت آخر إن يسر الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هنا تنبيه على خطأ وقع في تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون -رحمه الله- لشرح ابن الأنباري على المعلقات، وهو خطأ في الضبط لكنه يغير المعنى، ولا أدري كيف خفي على الأستاذ هارون -رحمه الله- مع وضوح الخطأ فيه، وجل من لا يسهو.
قال امرؤ القيس:
غدائره مستشزرات إلى العلا ** تضل العقاص في مثنى ومرسلِ
هذه اللفظة "مستشزرات" ضبطها هارون -رحمه الله- في متن القصيدة بكسر الزاي، وهذه رواية صحيحة لا إشكال فيها لكن ابن الأنباري أراد فتح الزاي كما سنبين بعد قليل.
ثم قال ابن الأنباري في شرحها: "ومستشزرات: مرفوعات"، وضبطها هارون هنا أيضا بكسر الزاي، وقد أخطأ -رحمه الله- في الموضعين.
يدلك على هذا أمران، هما:
1 - قول ابن الأنباري في تفسيره: "مرفوعات"، فهذا ليس تفسيرا لاسم الفاعل الذي تكون فيه الزاي مكسورة، بل هو تفسير لاسم المفعول الذي تكون الزاي فيه مفتوحة، فالصواب في الموضعين: "مستشزَرات"، ولذلك فسرها بالمرفوعات لا بالمرتفعات.
2 - قول ابن الأنباري بعد ذلك: "ويروى: (مستشزِرات) بكسر الزاي، على معنى مرتفعات"
فهذا قاطع الدلالة في أن الذي أثبته ابن الأنباري في متن القصيدة هو "مستشزَرات" بفتح الزاي، لأنه أشار هنا إلى رواية الكسر.
وتراه هنا فسرها بالمرتفعات لأنه اسم فاعل إذا كسرت منه الزاي، أما في الموضع الأول ففسرها بالمرفوعات لأنه اسم مفعول إذا فتحت منه الزاي.
والله تعالى أعلم
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[05 - 01 - 2012, 11:10 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت اليوم أقرأ في ديوان النابغة الجعدي -رضي الله عنه- فنظرت في قصيدته السينية التي أولها:
لبستُ أناسا فأفنيتُهم ** وأفنيتُ بعد أناسٍ أناسا
فوجدت جامع الديوان -وهو الدكتور واضح الصمد- قد أورد ثلاثة أبيات بعد هذه القصيدة على بحرها ورويّها، فأوردها مفصولة عنها وأحسبها -والله أعلم- من القصيدة المذكورة، لكن لا بأس بفصلها إذ كان لم يقم الدليل على أنها منها.
إنما الذي أنكرته أمور أخرى سأبينها، والأبيات كلها منقولة عن الكتاب العظيم العجيب كتاب (الجيم) لأبي عمرو الشيباني، وهي قول الجعدي:
1 - زميرُ الهبانيق في زَمخَرٍ ** مَجُوفٍ إذا ما ارتجسنَ ارتجاسا
2 - فلما كسعتهم بالرماح ** أخلوا إليهن حوما دِحاسا
3 - كأن تجاوبَ أصواتها ** إذا ما قَرَبْنَ المياهَ الخِماسا
هكذا أوردها في الديوان، بهذا الترتيب.
ولعل أول ما ينكره القارئ أنه لا يرى خبر "كأن"، فيقول: بأي شيء شبه تجاوب أصواتها في البيت الثالث.
فرجعت إلى كتاب (الجيم) للإمام أبي عمرو الشيباني، فعلمت أن الرجل قد أعظمَ الجناية، وغير الترتيب من عند نفسه فأفسد وأساء، لأن أبا عمرو أنشد البيت الثالث ثم أنشد البيت الأول بعده على الموالاة، والرجل إنما نقل الأبيات عن كتاب الجيم، فمن أين أتى بهذا الترتيب المضطرب؟!
فأول جناية جناها أنه فصل بين البيتين ببيت آخر، والجناية الثانية أنه قدم آخرهما على أولهما.
قال أبو عمرو في الكتاب المذكور:
"وقال الجعدي في الزمخر:
كأن تجاوبَ أصواتها ** إذا ما قربن المياه الخماسا
زميرُ الهبانيق في زمخر ** مجوف إذا ما ارتجسن ارتجاسا"
فترى الآن أن خبر "كأن" هو "زميرُ" في البيت الثاني.
ثم إن هذا الرجل -عفا الله عنه- رجع إلى طبعة (الجيم) التي حققها إبراهيم الإبياري، وأشار إلى رقم الصفحة، ومع هذا لم ينتفع بتعليقات المحقق، فأتى بأشياء منكرة، من ذلك قوله في تفسير البيت الذي أوله "زمير الهبانيق":
"الهبانيق: جمع هبنق وهو الأحمق ....... إنهم ينفخون بمزمارهم إذا تعرضوا لأي أمر منكر"!!!!
ولم ينتفع من تعليقات الإبياري الذي قال في الحاشية:
"الهبانيق: جمع هبنوق: الوصيف من الغلمان"
وهذا هو الصواب، قال في الصحاح:
"الهبنيق: الوصيف، قال لبيد:
والهبانيق قيام معهم ** كل ملثوم إذا صب همل"
وفيه لغات: هِبنيق، وهَبنيق، وهُبنُق، وهُبنوق، وغيرها، انظر القاموس.
ثم قوله: "إنهم ينفخون بمزمارهم إذا تعرضوا لأي أمر منكر" شيء مضحك، لأن قوله: "إذا تعرضوا لأي أمر منكر" تفسير لقول الجعدي: "إذا ما ارتجسن ارتجاسا"، والجعدي إنما يريد الإبل، أي: إذا رفعت أصواتها كانت كزمير الهبانيق.
ففهم من قوله: "إذا ما ارتجسن ارتجاسا" أنه إذا اضطربت الأمور على هولاء الهبانيق واشتدت ينفخون بمزمارهم!!!
والله أعلم
¥