ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[19 - 08 - 2011, 06:43 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وإذا نظرت في كلامنا هذا كله استبان لك خطأ المؤلف -غفر الله له- لما جزم بأن "بَعْر" الذي في البيت هو (بعره) المعروف عندهم.
واستبان لك عِوَجُ قول القائل في وصف هذا الكتاب:
(1) بذل جهد جبار (2) وخرج بدراسة متعمقة وتحليلات صائبه (3) ولقد أجاد في الطرح والاستنباط
مع أن المؤلف كما ترى لم يفعل شيئا مما بينتُه في كلامي عن البيتين، وإنما جزم بما قاله لم يتروّ في ذلك ولم يتأنّ، وهذا هوج وهوس، وليس من البحث العلمي في شيء.
فما لي أرى بعض الناس يركب الصعب والذلول، ويحرف أسماء المواضع والبلدان من أجل أن ينسب رجلا جاهليا مشركا إلى قومه، نعوذ بالله من الغي والهوى.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[20 - 08 - 2011, 04:09 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قد قلتُ من قبلُ: إن المؤلفَ -عفا الله عنه- يُفسِّر بعضَ الألفاظ في الشعر بضدِّ معناها، فيعكِس بذلك معنَى البيت عكسًا خالصًا، وقد ضَربْنا مثالًا لِذلكَ تَفسيرَه لكَلِمة "دَعْدَعْ"، وهنا موضعٌ آخرُ فعَلَ فيه ما فعلَ أوَّلًا.
فلو أنَّ رجُلًا غَيورًا على لُغة العَرَب مات من الكَمَد لِما يَرَى من صَنيع المؤَلف لم يكُن مُليمًا.
فانظُر -رعاكَ اللهُ- إلى قولِه:
ويقول الشنفرى أيضاً:
وتشرب أسآري القطا الكدر بعدما
سرت قربا أحناؤها تتصلصل
وقد أورد في هذا البيت ثلاث كلمات مما يتخاطب به أهل السراة حتى الآن وهي:
.....
الكلمة الثالثة: تتصلصل، وهو الصوت الناتج عن امتلاء البطن بالماء دون أكل ولذا كثيراً ما يقول أهل السراة «فلان ضرب ابنه حتى صل قلبه» أي أحدث صوتاً كالصليل في حنايا الصدر.
أَنا أجزِمُ أنَّ هذا الرجُلَ لا ينظُر إلى مَجموع البَيت، ولا يَدري ما مَعْناه، بل ينظُر إلى كلِّ كَلِمة مُفردةً ثمَّ ينظُر ماذا يقولُ فيها العَوامُّ فيُثبت قولَهم.
وهذا البيتُ قد ذكرتُه من قبلُ في (تَوضيح تَشْبيهاتِ العَرَبِ بالصُّوَر) مُستَدِلًّا به على بُكور القَطا في وِردِها، وبيَّنتُ أنَّ الشَّنفَرَى امتدَحَ نفسَه بالوِرد قبلَها.
فقولُ الشَّنفَرَى:
وتشربُ أَسآري القَطا الكُدرُ بعدما ** سَرَتْ قَرَبًا أَحناؤُها تَتَصَلْصَلُ
مَعناهُ: أَنَّني أَرِدُ قبلَها فَأَشربُ ثُمَّ تأتي بَعدي فَتشربُ ما أَسْأَرتُه -أي: ما أَبقيتُه- بعدَما سَرَتْ ليلَها تَطيرُ إِلى الماءِ وأَحناؤُها تَتَصَلْصَل.
فبالله أيُّها العاقلُ مِن أَيِّ شَيء تَتَصَلْصَلُ أَحناؤُها في سُراها باللَّيل قَبلَ أَن تَرِدَ الماءَ، أَمِنَ العَطَش أَم مِن "امتلاء البطن بالماء دون أكل"، أَلَمْ أَقُل: إِنَّه يَعكِسُ المَعنَى في الأَبيات؟
وسَنعُود لإِكمال الحَديث إِن شاءَ الله.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[21 - 08 - 2011, 09:27 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قد استبانَ لكَ مِن مَعنَى البَيت بُطلانُ قَولِ المؤَلِّف في تَفسير الصَّلْصَلَة ولَو لَم تَدْرِ ما هي الصَّلْصَلَة، فإنَّ بَيتَ الشَّنْفَرَى يُعلَم منه أَنَّ الصَّلْصَلَةَ التي في أَجوافِها مِن العَطَش لا مِن امتِلاءِ بُطونِها بالماء، فإِذا عَرَفتَ مَعنى الصَّلْصَلَةَ هنا ازدادَ يقينُكَ بفَساد قَولِه ومُضادَّتِهِ لِلمعنَى الصَّحيح.
فكانَ حَقًّا على المؤَلِّف إذ زَهِدَ في كُتُب اللغَة كُلِّها أَن لا يَزهَدَ في شُروح قَصيدة الشَّنْفَرَى، وهذه أَقلُّ المراتِب وهي مَرتَبةُ الكُسالَى، فَالقَصيدةُ شَرَحَها التبريزيُّ والزَّمَخشَريُّ وغَيرُهما.
فاسمَع قولَ التبريزيِّ في شَرح تلكَ الكَلِمَة:
"يُقالُ لليابِس: سَمِعت لهُ صَلْصَلَةً، أَي صَوتًا من يُبْسِه، والصَّلْصالُ الفَخَّارُ إِذا صَوَّتَ ليُبسِه، فَيقولُ: هذه تَتَصَلْصَلُ أَجوافُها ليُبسِها."
يَقُولُ: "لِيُبْسِها"، أَي: مِن العَطَش، وليس لامتِلائِها مِن الماء.
وقال في اللسان:
"جاءَت الإِبِلُ تَصِلُّ عَطَشًا، وذلكَ إِذا سَمِعتَ لأَجوافِها صَوتًا كالبُحَّة، وقال مُزاحِمٌ العُقَيليُّ يَصِفُ القَطا:
غَدَتْ مِن علَيه بعدَما تَمَّ ظِمؤُها ** تَصِلُّ وعن قَيضٍ بزَيزاءَ مَجهَلِ
قال ابنُ السِّكِّيت في قَوله: "مِن علَيه": مِن فَوقه، يَعني من فَوق الفَرخ، قال: ومَعنَى تَصِلُّ أي هي يابِسةٌ من العَطَش."
¥