بسم الله الرحمن الرحيم
1 - أما "البحر" و "النجد" اللتان في الأغاني وحماسة البحتري فأخشى أنهما محرفتان، وأن صوابهما: "الجفر"، وهذه كما ترى تشبههما في الرسم.
وإنما قلت ذلك لأنني لم أجد -في ما نظرت فيه من كتب البلدان- موضعا له اتصال بالبَعْر إلا (جَفْرَ البَعْر)، أما "البحر" و "النجد" فقد تأملتهما فما رأيت لهما وجها هنا.
قال في معجم البلدان (جفر):
"قال الأصمعي: جَفْر البَعْر ماء يأخذ عليه طريق الحاج من حجر اليمامة بقرب راهص، وقال أبو زياد الكلابي: جَفْر البَعْر من مياه أبي بكر بن كلاب بين الحمى وبين مهب الجنوب على مسيرة يوم، وقال غيره: جَفْر البَعْر بين مكة واليمامة على الجادة، وهو ماء لبني ربيعة بن عبد الله بن كلاب."
قلت: قول الأصمعي: "ماء يأخذ عليه طريق الحاج من حجر اليمامة" معناه أنه بين مكة واليمامة، وهذا كقول من قال: "بين مكة واليمامة على الجادة".
وكلهم ذكر أنه ماء من مياه العرب، فبعضهم جعله لبني أبي بكر بن كلاب، وبعضهم جعله لبني ربيعة بن عبد الله بن كلاب.
قلت: بنو أبي بكر بن كلاب -واسم أبي بكر عبيد- وبنو ربيعة بن عبد الله بن كلاب، كلهم من بني عامر بن صعصعة، وكلاب هو كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
فهذا الماء كما ترى في بلاد بني عامر بن صعصعة، وهم القوم الذين أغار عليهم حاجز الأزدي، وذكر في شعره هذا الموضع من بلادهم.
فصحة البيت إن شاء الله:
بين الجُرف والجَفْر من بَعْرِ
وأما الجُرف فاسم لمواضع كثيرة في الجزيرة، ولعل المقصود منها هنا ما ذكره ياقوت حين قال: "والجُرْف أيضا: من نواحي اليمامة"
فتراه ذكر أنه من نواحي اليمامة، فلعله غير بعيد من جَفْر البَعْر، ووقعة حاجز كانت قريبة من هذين الموضعين كما ذكر في شعره، والله أعلم.
2 - وأما "ثَعْر" فهو تصحيف، وقد بينّا أن صوابه: "بَعْر"، والله تعالى أعلم.
وللحديث بقية إن شاء الله
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[18 - 08 - 2011, 11:42 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
3 - وأما "السلماء" فقد وقعت هكذا في الأغاني وفي حماسة البحتري، وقد بحثت عنها في كتب البلدان فما وجدت لها ذكرا إلا في موضع واحد في معجم البلدان، وأخشى أن كل ذلك محرف، وأن صوابها في البيت وفي الموضع المذكور من معجم البلدان: "الثلماء" بالثاء لا بالسين.
أما معجم البلدان فقد وقعت فيه عند قوله في (باب الحاء والباء وما يليهما) عند ذكر (حبس):
"وقال الأصمعي: الحبس جبل مشرف على السلماء لو انقلب لوقع عليهم."
وقال في موضع آخر في (باب الثاء واللام وما يليهما) لما ذكر (الثلماء):
"وقال الأصمعي: الثلماء لبني قرة من بني أسد، وهي في عرض القنة في عطف الحبس أي بلزقه، ولو انقلب لوقع عليهم، وهي منه على فرسخين، والحبس جبل لهم."
فإذا تأملت الكلامين رأيت أن "السلماء" في كلامه الأول هي "الثلماء" في الكلام الثاني، لِما ذكر من قربها من جبل الحبس وإشرافه عليها وأنه لو انقلب لوقع عليهم.
فلا بد أن تكون "السلماء" في الكلام الأول محرفة وصوابها: "الثلماء"، ولا يجوز أن تكون هذه محرفة عن تلك لأن تلك وقعت في كلامه عن الحبس عرضا، ولم يثبتها في (باب السين واللام وما يليهما)، أما هذه فقد وقعت في كلامه عن الثلماء في (باب الثاء واللام وما يليهما).
على أنها قد وقعت في غير هذا الكتاب بالثاء، قال الزمخشري في كتاب (الأمكنة والمياه والجبال):
"الثلماء: ماءة لبني قرة"
قلت: بنو قرة هم الذين ذكرهم الأصمعي في قوله: "الثلماء لبني قرة من بني أسد"
فتبين أنها بالثاء لا بالسين، والذي في الموضع الأول من معجم البلدان محرف، وصوابه ما ذكرنا.
والله أعلم، وللحديث بقية إن شاء الله.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[19 - 08 - 2011, 06:29 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وأما "السَّلْماء" في البيت فأحسبها محرفة أيضا عن "الثلماء"، والذي حملني على قول ذلك:
1 - أنني لم أجد "السلماء" موضعا كما ذكرت من قبل.
2 - قول ياقوت في (باب الثاء واللام وما يليهما) لما ذكر "الثلماء":
"قال الحفصي: الثلماء من نواحي اليمامة ...... وقال أبو زياد: من مياه أبي بكر بن كلاب الثلماء."
قلت: أبو زياد هو أبو زياد الكلابي، وهو عالم أعرابي من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فهو رجل من بني كلاب عارف بديار قومه، وتراه قد ذكر هنا أن الثلماء من مياه أبي بكر بن كلاب، وهو الذي ذكر فيما نقلناه أولا أن جَفْرَ البَعْر من مياه أبي بكر بن كلاب.
فأرى أن الثلماء وجَفْرَ البَعْر كلاهما من مياه أبي بكر بن كلاب، وهم من بني عامر بن صعصعة الذين كانت غارة حاجز عليهم.
أما قول الحفصي: "الثلماء من نواحي اليمامة"، فليس بمضاد لقول أبي زياد، بل أحسبه موافقا له، وكون هذا الماء لبني أبي بكر بن كلاب لا يدفع أنه من نواحي اليمامة.
وكذلك قول الأصمعي لما ذكر الثلماء ماءً لبني قرة من بني أسد غير مدافع لقول أبي زياد، فقد يكون في الجزيرة ماءان يقال لكل منهما: الثلماء.
وما ذكره الحفصي من أن الثلماء من نواحي اليمامة يوافق ما حكينا قبل من أن جَفْرَ البَعْر بين مكة واليمامة -وقد يكون أقرب إلى اليمامة- وأن الجُرْف أيضا من نواحي اليمامة.
فأحسب -والله تعالى أعلم- أن غارة حاجز الأزدي كانت على بني أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، والله تعالى أعلم.
وقد فرغت حامدا لله من الكلام عن هذين البيتين، فإن أكن أصبت ففضل من الله تعالى، وإن أكن أخطأت فقد اجتهدت، ولا يلام المرء بعد اجتهاده.
¥