الكلمة الثانية: أحناؤها، وقد شرحت على أنها جمع حنو وهو الجانب. لكن عند دراسة لغة أهل السراة نرى أن الشاعر يقصد أبعد من ذلك فالمقصود هو ضلوع الصدر المنحنية، ورجل منحن عندهم انحنى ظهره من الكبر.
الكلمة الثالثة: تتصلصل، وهو الصوت الناتج عن امتلاء البطن بالماء دون أكل ولذا كثيراً ما يقول أهل السراة «فلان ضرب ابنه حتى صل قلبه» أي أحدث صوتاً كالصليل في حنايا الصدر.
الأهم من ذلك أن دراسة شعر الشنفرى ضمن بيئته اللغوية ربما ينهي الجدل حول ما إذا كانت لامية العرب للشنفرى أو لخلف الأحمر. يرجح ذلك اشتمالها على كلمات مازالت حية على ألسنة الناس حتى الآن في ديار دوس وبني يوس وبني عمر من زهران. وقد شاب بعض هذه الكلمات التصحيف والتحريف عند جمع الديوان ونقله قرناً بعد قرن.
على سبيل المثال في البيت الشهير الذي ذكره الشنفرى بعد خلافه مع الفتاة التي كان يعتبرها أخته وهو الخلاف المفصلي الذي حوله إلى صعلوك خارج على أعراف القبيلة أورد المؤلفون الأوائل البيت على الشكل الآتي:
ولو علمت قعسوس أنساب والدي
ووالدها ظلت تقاصر دونها
ولم يحدد الدارسون والشراح إذا كان قعسوس اسماً للفتاة أو لقبا لها. والدراسة لشعر الشنفرى في إطار بيئته الجغرافية واللغوية المستمرة حتى الآن تدل على أن قعسوس ليست اسماً ولا لقباً وإنما هي لفظ تحقيري أطلقها على الفتاة عندما لطمتة مطلقاً عليها اسم «قعصوص» وليس قعسوس وهي النملة طويلة اليدين والرجلين دقيقة الخصر كما يسميها أهالي زهران.
جغرافية شعره وغزواته
أطلق الشراح والنقاد على الشنفرى «شاعر الصحراء» لكن الدراسة الدقيقة لبيئة الشنفرى من الداخل تؤكد أن الشنفرى «شاعر الجبل» وليس شاعر الصحراء. فالبيئة التي عاش فيها وخلدها في شعره بيئة جبلية بامتياز، أما نعته بشاعر الصحراء فليس إلا تعميماً غير مدروس يرى في الجزيرة العربية كلها أرضاً صحراوية.
لكن دراسة شعر الشنفرى داخل بيئته الجغرافية تقدم لنا أدوات مهمة لحل الغموض الذي شاب الكثير من شعره، وتشرح الكثير من القصائد والمفردات التي عجز النقاد والشراح السابقون عن تفسيرها. على سبيل المثال يقول الشنفرى في إحدى قصائده:
ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت
وما ودعت جيرانها إذ تولت
تعامل الباحثون مع أم عمرو على أنه اسم امرأة وهو في الحقيقة اسم قرية من قرى بني يوس. والبيت يعني أن هذه القرية استقر رأي أفرادها على الرحيل بعد المعارك الطاحنة التي حدثت ولم تودع جيرانها من القرى الأخرى. وهذا التفسير أكثر منطقية من تفسير أم عمرو على أنها امرأة.
ويقول الشنفرى في قصيدة أخرى:
بريحانة من بطن حلية نورت
لها أرج ما حولها غير مسنت
وحلية قرية من قرى زهران من بني سليم. وفي بيت آخر من قافية الدال يقول:
كأن قد فلا يغررك مني تمكثي
سلكت طريقاً بين يربغ فالسرد
وقد رأى شراح الشنفرى السابقون أن يربغ مكان في ديار بني تميم بين عمان والبحرين، وأن السرد مكان في بلاد الأزد. لكن دراسة بيئة الشنفرى تبين أن يربغ هذه هي رباع وقد حرفت وصحفت وهي قرية من قرى بني حسن اليوسية الزهرانية. وقد وردت الكلمة صريحة في بيت آخر من شعره حيث قال:
وأصبح بالعصداء أبغي سراتهم
وأسلك خلا بين أرفاغ والسرد
أما السرد فهو في حقيقته جبل السود بالواو وليس الراء الذي يقع في ديار بني عمر إحدى فروع قبيلة زهران. أما العصداء المذكورة في البيت فهي قرية تقع في سراة زهران بجوار رباع.
وفي قافية الراء قال الشاعر:
فإن لا تزرني حتفتي أو تلاقني
أمش بدهر أو عداف فنورا
وقد قال المحققون في شعر الشنفرى إن دهر وعداف ونوّرا أماكن في ديار بني سلامان وهذا صحيح لكن الاسمين قد حرّفا وصحّفا بشكل كبير. فالموقع الأول «دهر» هو في الحقيقة «دهو» قرية من قرى وادي الثعبان. أما الموقع الثاني «عداف» فالصحيح هو «العدفة» وهي قرية متفرعة من قرى آل نعمة تبعد عنها بمسافة كيلو متر. الموقع الثالث «نور» والصحيح «منور». وهو جبل يقع غربي قرية محوية من زهران ويقع بالقرب من جبل السود الذي سبق ذكره وكلاهما قريبان من بطن منحل. لذا تكون صحة البيت هي:
فإن لا تزرني حتفتي أو تلاقني
أمشي بدهو أو عداف فمنورا
وفي قافية العين يقول:
قتيلاً فجار أنتما إن قتلتما
بجنب دحيس أو تبالة تسمعا
ودحيس وتبالة موضعان معروفان في بيئة الشنفرى. فدحيس تقع في ديار بني بشير أحد بطون قبيلة بني عمر ووادي دحيس واد معروف فيها. أما تبالة فهي موضع معروف في قبيلة خثعم تتبع منطقة عسير.
ويذكر الشنفرى أماكن أخرى في شعره مازالت معروفة بنفس أسمائها حتى الآن منها ذات الراس ومنحل:
ويوماً بذات الرس أو بطن منجل
هنالك نبقي القاصي المتغورا
والأصح ذات الراس وليس الرس كما ورد في الديوان وهي قرية من قرى بني عمر قريباً من وادي بيدة المعروف تاريخياً بالقرب من وادي الناصف الذي قتل فيه الشنفرى وهي تتبع محافظة القرى في منطقة الباحة. أما بطن منجل فقد قال الشراح القدامى والمحدثون إنها جبل لبني سلامان ولكن الأصح أنها منحل بالحاء وهو واد معروف في ديار بني عمر شمالي مدينة الأطاولة في محافظ القرى. والأماكن الزهرانية التي ذكرها الشنفرى في شعره كثيرة جدا منها أيضا «البراق» التي قال فيها:
ألا لا تعدني إن تشكيت خلتي
كفاني بأعلى ذي البريقين عدوتي
ومنها أيضا «بعره» التي قال فيها:
ألا هل أتى ذات القلائد فرتي
عشية بي الجرف والبحر من بعر
¥