اختلف الدارسون والشراح والنقاد في الكثير من معاني شعر الشنفرى وفي ضبط الألفاظ وتخريجها. لكن هل يمكن لدراسة البيئة الجغرافية التي عاش فيها الشنفرى أن تنير مواطن الغموض التي التبست على النقاد طوال القرون الماضية؟ يرى الزهراني أن شعر الشنفرى يشتمل على كلمات مازالت حية على ألسنة أهالي زهران وغامد ومازالوا يتخاطبون بها وأن تفسير شعر الشنفرى في هذا الإطار اللغوي يمكن أن يزيح الغموض عنها.
يقول في إحدى قصائده في قافية الباء:
سراحين فتيان كأن وجوههم
مصابيح ألوان من الماء مذهب
وكلمة سرحان تطلق على الذئب نتيجة لبسالته وجرأته ويصفون به رجالهم. يقول الشاعر الشعبي:
ياالذيب سرحان ما صدت النمر ابن سمحان
ما صدت يا ذيب غير الحاسرة من قصاها
وهكذا تفسر دراسة البيئة اللغوية للشاعر ما كان استعصى على من تناولوا شعر الشنفرى من القدماء والمحدثين.
ويقول الشنفرى في القصيدة نفسها:
نمرّ برهو الماء صفحا وقد طوت
شمائلنا والزاد ظن مغيب
فسر المحققون الرهو بأنه المكان المنخفض الذي يجتمع فيه الماء. لكن دراسة البيئة اللغوية للشاعر تقدم تفسيراً آخر. فأهالي زهران يعنون بالرهو الاتساع والانبساط. فالرهوة مكان متسع ومنبسط في محافظة بلجرشي من ديار غامد. ورهوة البر معروفة للجميع وهي في المنتصف بين ديار غامد وزهران. والرهوتين مكان متسع في محافظة القرى غربي الأطاولة بجوار قرية المكاتيم.
وفي الشطر الثاني أورد الشاعر كلمة «شمائلنا» التي ظن بعض المحققين أنها جميع الشميلة وهي الخلق وهذا غير ما قصده الشاعر الذي قصد الشمائل جمع «شملة» وهي البسط المصنوعة من الصوف. ويؤكد هذا قوله طوت لأن الأخلاق لا تطوى. يؤكد هذا المعنى أيضاً أنه تحدث عن الماء والزاد وهذا الفراش الذي طوي كناية عن الترحال للبحث عن المفقود وهو الزاد المغيب. وهكذا تنجح البيئة اللغوية الشعبية في تفسير شعر الشنفرى أكثر مما تنجح معاجم اللغة الفصيحة.
في قصيدة أخرى من قافية العين يقول الشنفرى:
ليس لوالدة همها
ولا قيلها لابنها دعدع
وكلمة دعدع مازالت حية على ألسنة الناس وهي دعاء بزيادة الشيء الذي حصل فمثلاً يقول الناس لمن خاصمهم وأراد فراقهم وهم لا يرغبون فيه (طريق دعدع والحمار المجدع). أي اذهب لا رغبة لنا فيك فأنت كالحمار الذي قطعت أذناه. وكذلك يقولون (لا تدعدع الماء) أي لا تسرف فيه.
وفي لامية العرب أشهر قصائده كلمات مازال يتخاطب بها الناس في بيئة الشنفرى إلى اليوم، منها:
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ
سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
هنا نجده ذكر كلمة «سرى» بمعنى ذهب لشأنه في الليل وهي من الكلمات الحيّة على ألسنة الناس حيث يقولون «سرى عبد الله يسمر عند صالح» أي ذهب في الليل. ومن أوصافهم للرجال الشجعان «فلان يسري الليل ويقطع السيل» أي أنه شجاع.
أما كلمتا «راغباً وراهباً» المذكورتين في البيت، فكثيراً ما تردان معاً في أحاديث الناس حتى الآن فيقولون في مجال التعليم مثلاً: «ما يقرأ إلا راغب وإلا راهب» أي إن نجاح الطالب في دراسته مقترن إما برغبته في التعليم أو خوفاً من ولي من أمره.
ويقول الشنفرى:
غدا طاوياً يعارض الريح هافيا
يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
وقد أورد الشاعر في هذا البيت أربع كلمات مازال يتخاطب بها أبناء بيئة الشنفرى حتى الآن.
الكلمة الأولى: غدا، أي ذهب لشأنه في الصباح الباكر. الكلمة الثانية: طاويا، هي تعني الجوع الشديد. وهو لفظ مازال مستخدماً حتى الآن فعندما يعود رب البيت إلى المنزل يقول لزوجته: «أنا طاوي جوعاً» أي أجهدني الجوع كثيراً. الكلمة الرابعة: هافيا. وهي ترادف كلمة طاويا أي جائعاًجوعاً شديداً يذهب يميناً وشمالاً من الجوع. الكلمة الرابعة: يخوت وهي تعني سلوك الطرقات المتعرجة سراً بقصد الحصول على شيء أو الاختباء عن أعين المارة. فيقولون رأيت ولد فلان يخيخت.
ويقول الشنفرى أيضاً:
وتشرب أسآري القطا الكدر بعدما
سرت قربا أحناؤها تتصلصل
وقد أورد في هذا البيت ثلاث كلمات مما يتخاطب به أهل السراة حتى الآن وهي:
الكلمة الاولى: أسآري، وقد شرحت على أنها جمع سؤر وهي بقية الشراب في الإناء. لكن أهل السراة يوسعون الأمر فيطلقونها على كل ما تبقى من الطعام حيث يقول: الابن لأمه «لن آكل سؤرة أخي فلان اصنعي لي طعاماً غيره».
¥