ملتقي اهل اللغه (صفحة 5074)

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[28 - 03 - 2011, 12:29 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

أعتذر من أخي الكريم أمجد، فعندي كلام يتعلق بحديثي السابق مع الأستاذ أبي قصي.

هذه رسالة وصلتني من شقيق لي أكبر مني، أبدى فيها رأيه فيما دار بيني وبين الأستاذ أبي قصي، وقد حكم لأبي قصي عليّ، ولم أستشره في نشرها هنا لأني خشيت أن يرفض، ورأيت أنه حقٌّ علي أن أثبتها وإن كانت عليّ لا لي، فبادرت بوضعها بنصّها، مع تعديل يسير لا علاقة له بما جرى بيننا من النقاش.

"بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،،،

قرأت - سلمك الله - ما دار بينك وبين الأستاذ أبي قصي في ضبط بيتي أبي تمام، ثم قرأته وتأملته، فوجدتك أخطأت فيما ذهبت إليه من ضبط البيتين، وإن كنت لم تبعد. وكنت أعلم أنك تحب أن تُدل على خطئك وتُنبَّه إلى غلطك، وتعد ذلك يدا عليك لمن فعله.

وقد كنت أكثرت من تأمل البيتين وتأمل ما قلت وما قال الأستاذ حتى اجتمع في نفسي كلام كثير، لا حاجة بك إليه ولا بصاحبك.

ولكن أقول، وبالله أستعين:

إذا تأملت قوله:

فليَنظرن المرءُ مَن غلمانُه ... فهم خلائفه على أخلاقه

فإن عجزه جملة تعليلية، وهذا بين. ولكن هل هي تعليل لما قبلها أم تعليل لشيء آخر بينهما أسقطه أبو تمام؟ أحسن في ذلك أو أساء ليس هذا من شأننا هنا. أرى - والله أعلم - أن هذا سبب الخلاف في ضبط البيت.

وبيان ذلك أن بين صدر البيت وعجزه شيئا أسقطه أبو تمام، وقد قلنا أن عجز البيت جملة تعليلية، فهي جواب (لمَ)، فقول القائل: ليَنظرن المرءُ مَن غلمانُه (على ضبط أبي قصي)، إذا قيل فيه: لمَ؟ فإنه يكون جوابه: لأنه يُنظر إليه مِن غلمانِه. (على المعنى الذي أردتَ). لا أن يكون جوابه: لأن غلمانه خلائفه على أخلاقه.

وقول القائل: المرء يُنظر إليه مِن غلمانِه (على المعنى الذي أردتَ)، إذا قيل فيه: لمَ؟ فإنه يكون جوابه: لأنهم خلائفه على أخلاقه.

فيكون السياق هكذا:

- ليَنظر المرءُ مَن غلمانُه.

- لمَ؟

- لأنه يُنظر إليه مِن غلمانِه.

- لمَ؟

- لأنهم خلائفه على أخلاقه.

هكذا ولابد، فجعله أبو تمام هكذا:

فليَنظرن المرءُ مَن غلمانُه ... فهم خلائفه على أخلاقه

فأسقط ما بينهما، وهو المعنى الذي أردتَ، فوجدت أنت الرابط القوي بين البيتين، ولكن أبا تمام أخفاه وأسقطه، فجعلت تلح على أن " البيت مرتبط بالذي قبله، وليس بيتا مفردا " (وهو كذلك ولكن ليس على الوجه الذي تريد وإنما على وجه التعليل لما قال في صدر البيت وصدر البيت مبني على ما قبله)، وأنه " أخطأ أبو تمام وأفسد المعنى " وليس كذلك، وإنما هو ما ذكرت لك. وأصاب أبو قصي فاستمسك بظاهر البيت ولم يستطع أن يحيد عن دلالته الظاهرة البينة أنه خرج مخرج النصح لمن أراد أن يتخذ الغلمان أن ينظر من هم، لا أنه خرج مخرج التوجيه لمن أراد أن يعرف خبيئة صاحبه أن يتوسل إلى ذلك بغلمانه. وجَلَبَ القرائن الدالة على ذلك فبعضها لفظية " فلينظر أحدكم من يخالل" وبعضها معنوية وهي أن الأبيات في العتاب وجَعَلَهُ أول شيء ينبغي أن يعلم لفهم البيت فقال: لا بُدَّ أن نعرِف أولُ أنَّ هذين البيتين من أبياتٍ يعاتِب بها أبو تمَّامٍ بعضَ أصحابِه " وهذا نظر سديد.

وقال أبو قصي " علَى أني أعجَبُ من إنكارِ أخينا صالحٍ لارتباطِ هذا البيتِ بما قبلَه في المعنَى وهو البصيرُ بالشِّعر، المطَّلِع على تصرُّفاتِ الشعراءِ، ومذاهبِهم". فلا أدري أهو أشارة إلى تصرف أبي تمام الذي ذكرتُ وإسقاطه المعنى الذي أردت أنت؟.

وبقي كلام كثير، وبقي شيء أذكره وهو أن تقييد النظر الذي في بيت أبي تمام بأنه النظر في مروءة الغلمان وآدابهم إنما هو تقييد من عندك، والأخلاق كلمة عامة واسعة، ومن أولى ما ينبغي أن يدخل فيها هنا الحزم والحذر والفطنة والذكاء والحكمة والأمانة، وهذا مهم لمن خشي أن يظهر الناس على شيء مما يسره لهم عن طريق غلمانه، والقافية ربما اضطرت الشاعر، وفي معنى النظر هنا نظر كثير لا أطيقه الآن.

وأما قوله: " حشم الصديق عيونهم ... " فلا تسل عما يهجم علي من البرد والغثاء كلما قرأته، حتى والله إني لأجد أثر ذلك بين جنبي، وله من أمثالها كثير، على أنه بالإجادة جدير.

هذا، وجزاك الله خيرا ونفع بك."

والحمد لله رب العالمين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015