ملتقي اهل اللغه (صفحة 5073)

وهذا البيتُ يتضمَّنُ معانيَ عِدَّةً، منها أنَّ للعيونِ لغةً، وإبانةً، ومنها أنَّ الصديقَ وإنْ جهَدَ أن يستُر ما في نفسِه تُجاهَ صديقِه، فإنَّه لا يلبَثُ أن ينمَّ عليه ما لم يجرِ منه علَى بالٍ، ومنها أنَّ الخدمَ صورةٌ صادقةٌ لسيِّدِهم يَظهرُ عليهم ما يُكِنُّ في نفسِه. وكأنَّ أبا تمامٍ أعجِبَ بهذا المعنَى الأخيرِ، واستحسنَه، فتسلَّلَ منه إلى ما بعدَه، وآثَرَ أن يُعقِبَه بحكمةٍ عامَّةٍ منسرِبةٍ من هذا المعنَى ينبِذُها إلى مخاطَبِه، وتكونُ خِتامًا لأبياته هذه، فقالَ:

فَلْيَنْظُرَنَّ المرءُ مَن غِلْمانُه ... فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ

يقولُ: إذا كانَ الغِلمانُ صورةً تخبِرُك عن غيبِ سيِّدِهم إذا كانَ صديقًا لكَ، فاعلَمْ أنَّ الغِلمانَ أيضًا تبَعٌ لسيِّدِهم في سائرِ أخلاقِه، فلينُهم دَليلٌ علَى لينِه، وشِدَّتُهم دليلٌ علَى شِدَّتِه، وكرَمُهم دليلٌ علَى كرمِه، وبخلُهم دَليلٌ علَى بخلِه. ولهذا الأمرِ مدحَ الشاعرُ ممدوحَه بأنه: (مؤدَّبُ الخُدَّامِ). (*)

وإذن، فليتفقَّدِ المرءُ غِلمانَه، وليحرصْ علَى أن تكونَ أخلاقُهم حميدةً، فإنَّهم وَجهُه، وبِهِم يُستدَلُّ على خُلُقِه، ويُعرَف معدِنه! وهذا معنًى معروفٌ، فإنَّك إذا رأيتَ أبناءَ الرجلِ، وأهلَه يحتفُونَ بكَ، ويكرِمونَك، علِمتَ أنَّهم علِموا محبةَ أبيهم لكَ، فعاملوكَ بذلك. والضدُّ بالضدِّ.

فقد رأيتَ علاقةَ هذا البيتِ بما قبلَه عَلاقةً واضحةً لا لبسَ فيها، وأنَّ أبا تمَّامٍ لم يُفسدِ المعنَى، ولم يخطئ فيه، وأنَّه لا ينبغي أن يقرأ بيتُه بحروفِه إلا هكذا ما لم يكن محرَّفًا. وهو ما لم نتبيَّنه حتى الآنَ.

ولست أرَى حاجةً لطولِ التشكُّك في هذا البيت وقد ظهرَ أنه إن لا يكن ارتباطه بما قبلَه واضحًا كلَّ الوضوحِ، فإنه ليس بمستنكَرٍ، ولا مدفوعٍ. وفي كتابِ الله تعالَى من الآياتِ ما لا يَظهر ارتباطُها بما قبلَها إلا لبعضِ الراسخينَ في العِلْم. وكثيرٌ من الشِّعر علَى هذا النحو. معَ أني أزعُم أنَّ الارتباطَ بين البيتينِ واضِحٌ كلَّ الوضوحِ.

ولعلَّ ما ذكرتُه يكشِف لكَ عن المعنَى الجامع لهذا البيتِ بالأبياتِ التي أوردها أبو عثمانَ، وكيفَ ترجِع إلى بابٍ واحدٍ، ومقدارِ ما بينَها من التآخي، والائتلافِ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015