ـ[عائشة]ــــــــ[14 - 03 - 2011, 08:56 ص]ـ
لقد سَرَّني أن يجتَمِعَ في هذه الصَّفحةِ أُستاذانِ مِنْ أساتذةِ التَّحقيقِ والتَّدقيقِ في أبياتِ الشِّعْرِ ومعانِيها.
والضَّبْطُ الَّذي اختارَهُ الأُستاذُ الفاضِلُ / فيصل المنصور -زاده اللهُ عِلْمًا- هُوَ الَّذي كنتُ أثبتُّهُ؛ لأنِّي فَهِمْتُ مِنْهُ ما فَهِمَهُ، ونَظَرْتُ فيه -أيضًا- إلى الحديثِ الَّذي ذَكَرَهُ: (فَلْيَنظُرْ أحدُكم مَن يُخالِل). وهو ضَبْطٌ لا تَرَى فيه عِوَجًا ولا أَمْتًا، ويجعلُ البيتَ قريبًا سهلاً؛ ولكن: يُعَكِّرُ صَفْوَهُ ضَعْفُ ارتباطِه بالبيتِ قبلَهُ؛ كما أفادَنا الأُستاذُ / صالحٌ -جزاه الله خيرًا-؛ ولذلك: عدلْتُ عَنْهُ إلى الضَّبْطِ الَّذي تفضَّلَ به -مشكورًا-.
والله أعلمُ بالصَّوابِ.
وجزاكما الله خيرًا على اهتمامِكما.
ـ[عائشة]ــــــــ[14 - 03 - 2011, 01:50 م]ـ
ووجدتُّ البيتَيْنِ في «التذكرة الحمدونيَّة 4/ 379»، وقد ضُبطَا -في الطَّبعةِ المحقَّقةِ من قِبَل: إحسان عبَّاس، وبكر عبَّاس- هكذا:
حَشَمُ الصديقِ عيونُهُمْ بحّاثةٌ ... لصديقه عن غيبِهِ ونفاقِهِ
فلينظرَنَّ المرءُ مَنْ غلمانُهُ ... فهمُ خلائفُهُ على أخلاقِهِ
ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[14 - 03 - 2011, 11:46 م]ـ
أشكر لكم جميعًا.
قد انتهينا إلى بيانِ فسادِ هذا الضبطِ:
فَلْيُنْظَرَنَّ المرءُ مِن غِلْمانِهِ ... فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ
ووقفَ الأستاذ الكريمُ/ صالح عند هذا الضبطِ:
فَلْيَنْظُرَنَّ المرءُ مَن غِلْمانُه ... فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ
منكِرًا له، وطاعنًا عليه بأنَّه ضعيفُ الارتباطِ بما قبلَه، غيرُ متعلِّقٍ به في المعنَى. وإذْ كانَ صوابُ الرِّوايةِ دائرًا على هذينِ الاحتمالينِ، فلا بُدَّ لأخينا الكريمِ أن يختارَ أحدَهما، أو يأتيَنا باحتمالٍ آخَرَ غيرِهما بريءٍ من المطاعنِ التي ذكرَها. فأمّا أن نرضَى بالتفويضِ، والتوقُّفِ، وأن يكونَ حظُّنا من العلمِ الإنكارَ، وحسبُ، فأمرٌ لا يَشفي سائلاً، ولا يكشِف حقًّا، ولا باطلاً.
علَى أني أعجَبُ من إنكارِ أخينا صالحٍ لارتباطِ هذا البيتِ بما قبلَه في المعنَى وهو البصيرُ بالشِّعر، المطَّلِع على تصرُّفاتِ الشعراءِ، ومذاهبِهم. والحقُّ أني لم أغفُل عن النظرِ إلى البيتِ السابقِ لهذا البيت، ولكنِّي تركتُ الإشارةَ إليهِ، والكلامَ عليه لاعتقادِي أنَّه بيِّنُ التعلُّق بما بعده، والاستدعاءِ له. وذرنِي أشرحْ لك ذلك.
لا بُدَّ أن نعرِف أولُ أنَّ هذين البيتين من أبياتٍ يعاتِب بها أبو تمَّامٍ بعضَ أصحابِه، وكأنَّه آنَسَ من لقائه له جفوةً، وفُتورًا، ووجدَ مثلَ ذلكَ من استقبالِ خدمِه له، فقولُه:
حشَم الصديقِ عيونُهم بحَّاثةٌ ... لصديقِه عن صدقِه، ونِفاقِه
تنبيه علَى أنَّ للعيونِ لسانًا ناطقًا، ولغةً مُبِينةً. وهذا كما قالَ الشاعرُ:
والعينُ تعرِف في عينَي محدِّثِها ... إنْ كان من حزبِها، أو من أعاديها
وقالَ الآخَر:
أشارت بطرفِ العين خيفةَ أهلِها ... إشارةَ مذعورٍ ولم تتكلَّمِ
فأيقنت أن الطرفَ قد قال: مرحبًا، ... وأهلاً، وسَهلاً بالحبيب المتيَّمِ
وقد أكثرتِ الشّعراء في ذلك.
والمتمرِّس بالشِّعرِ يعلمُ أنَّه لم يرِد قصرَ ذلكَ على العيونِ، وإنما ذكرَ العيونَ مِثالاً، وأرادَ جملةَ الأخلاقِ. وذلكَ أنَّ دلالةَ العيونِ دلالةٌ خفيَّةٌ غامِضةٌ. وإذا عرَف المرءُ ما في سريرةِ صديقِه بعيونِ خدمِه، فأجدَرُ أن لا يخطئَ معرِفةَ سريرته بأوضحَ من ذلكَ من الأخلاق الظاهرةِ لنفسِه. وقد رأيتَ كيفَ أحسنَ أبو تمام الإبانةَ عن هذا المعنَى بأن جعلَ معرفةَ ما في نفسِ الصديقِ قِبَلَ صديقِه، ومبلغَ إخلاصِه الودَّ له معقودًا بأمرينِ بعيدَينِ، أوَّلهما خدمُه. ثمَّ لم يكتفِ بذلكَ حتَّى ناطَ ذلكَ بعيونِهم. وهو الأمر الثاني. وقد علمتَ أنَّ دلالةَ العيونِ، وإن كانَت مفهومةً أحيانًا، فإنَّها أدقُّ، وأغمض من دلالةِ غيرِها من الكلامِ، أو الفعلِ.
ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[15 - 03 - 2011, 12:06 ص]ـ
¥