ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[13 - 03 - 2011, 10:12 م]ـ
ليأذن لي أخي الحبيب الأستاذ/ صالحٌ العَمْريّ، والأستاذة الكريمة/ عائشة أن أشاركَهما النظَرَ في هذا البيت.
يَظهر لي أنَّ الصوابَ في رِواية هذا البيت هو:
فَلْيَنْظُرَنَّ المرءُ مَن غِلْمانُه ... فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ
يقولُ أبو تمَّامٍ: ليفتِّشِ المرءُ في حالِ غلمانِه، وليتفقَّدْ أخلاقَهم، فإنَّ صلاحَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى صلاحِ خُلُقِه، وفسادَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى فسادِ خلُقِه. ونظيرُ هذا ما نقلَه أخونا صالحٌ عن الجاحظِ. ومن الأبيات المعروفة في ذلك قولُ الشاعرِ:
سهلُ الفِناء إذا حللتَ ببابِهِ ... طَلْقُ اليدَينِ، مؤدَّب الخُدَّامِ
و (مَن) في البيت استفهاميَّةٌ، وهي وما بعدَها في محلِّ نصبٍ مفعولٌ بهِ لـ (ينظُر). ونظيرُه قولُ الله تعالَى: ((فلينظرِ الإنسانُ ممَّ خُلِقَ))، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (المرءُ علَى دينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم مَن يُخالل). فقايس بيتَ أبي تمامٍ بهذين الشاهدينِ ينجلِ لكَ.
وبصددٍ من هذا المعنَى مدحُهم الرجلَ إذا كانَ كلبُه ذا أنسٍ بالضَّيفِ، واستِدلالُهم بهذا علَى كرَمِ ربِّه، وحسنِ قِراهُ. قالَ نُصيبٌ:
وكلبُك آنَسُ بالمعتفينَ ... من الأمِّ بابنتِها الزائرَهْ
وهو بيتٌ مستطرَف التشبيه، وإن كان معناه معروفًا مطروقًا.
وأمَّا ضبطُ بيتِ أبي تمام هكذا:
فَلْيُنْظَرَنَّ المرءُ مِن غِلْمانِهِ ... فهمُ خلائفُه علَى أخلاقِهِ
فبعيدٌ في رأيي. وذلكَ أنَّ (يُنظَر) هنا متعدِّيةٌ بنفسِها. ولذلكَ أُسنِد مفعولُها إلى الفعلِ لما بُنِي للمجهولِ، فارتفعَ. والمعروفُ في (نظَر) تعدِّيه بحرف جرٍّ. وبذلكَ نزلَ القرآنُ، ونطقَ الفصحاءُ، قالَ تعالَى: ((فليَنظُر الإنسانُ إلى طعامِه))، ثمَّ قالَ امرؤ القيس:
نظرتُ إليها والنجومُ كأنَّها ... مصابيحُ رهبانٍ، تُشَبُّ لقُفَّالِ
وقد وجدتُّ بعضَ أصحابِ المعجَماتِ يُثبِتونَ تعدِّيَ هذا الفعلِ بنفسِه، ولم أتحقَّق من صحةِ ذلكَ، غيرَ أني قرأتُ قديمًا في كتابِ سيبويهِ ما يَدلُّ علَى إنكارِه ذلكَ، قالَ: (... ولا تقولُ: نظرتُ زيدًا). وهذه نادرةٌ عزِيزةٌ!
وعلَى أنَّ في البيت إذا قرأناه بهذه الرِّوايةِ شيئًا من الركاكةِ إذا تأمَّلتَ في معنَى (يُنظَر)، وموضع (مِن)، ودلالتها، وقارنتَها بقولِك مثلاً: (يُنظَر الإنسانُ مِن منطقِه) تريدُ أنَّ الإنسان يعرَف معدِنه بمنطقِه، أي: كلامِه. وهذا كما ترَى غايةٌ في العِيِّ، والرَّداءة.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[14 - 03 - 2011, 12:08 ص]ـ
أهلا بأخينا الأستاذ الكريم أبي قصي، تسرنا مشاركتك معنا في هذه المعضلة.
وعلَى أنَّ في البيت إذا قرأناه بهذه الرِّوايةِ شيئًا من الركاكةِ إذا تأمَّلتَ في معنَى (يُنظَر)، وموضع (مِن)، ودلالتها، وقارنتَها بقولِك مثلاً: (يُنظَر الإنسانُ مِن منطقِه) تريدُ أنَّ الإنسان يعرَف معدِنه بمنطقِه، أي: كلامِه. وهذا كما ترَى غايةٌ في العِيِّ، والرَّداءة.
صدقت يا أبا قصي، وقد -والله- رأيتُ ما فيه من الضعف وكرهتُه، ورأيتُ أن (نظر) لا يتعدى بنفسه، وهذا مما أشكل علي.
فالضبط الذي اخترتُه معناه جيد وموافق لما قبله لكن لفظه ليس بذاك، وضبطك أنت جيد اللفظ لكنه غير موافق لما قبله، فإن كان بيت أبي تمام كما ضبطتَه يا أبا قصي فقد أخطأ أبو تمام وأفسد المعنى، وأنا أستبعد هذا.
يقولُ أبو تمَّامٍ: ليفتِّشِ المرءُ في حالِ غلمانِه، وليتفقَّدْ أخلاقَهم، فإنَّ صلاحَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى صلاحِ خُلُقِه، وفسادَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى فسادِ خلُقِه.
إن كان أبو تمام أراد هذا فقد أخطأ كما ذكرنا، لأن البيت مرتبط بالذي قبله، وليس بيتا مفردا، فإذا فسر البيت بهذا التفسير، صار حاصل كلامه:
"إن الصديق يعرف صدقَ صديقه ونفاقَه من أعين غلمانه وتصرفاتهم، فاحرص على اختيار غلمانك من ذوي المروءة والأدب."
وهذا كلام مضطرب ليس أوله لِفْقا لآخره، ولا ينبغي أن يقوله مثل أبي تمام، لأنه لا وجه لذكر أدب الغلمان ومروءتهم هنا، فالكلام عن ظهور خبيئة الرجل في عيون غلمانه، لئاما كانوا أو كراما.
وإنما سياق الكلام أن يقول:
"إن الصديق يعرف صدقَ صديقه ونفاقَه من أعين غلمانه وتصرفاتهم، فإذا أردت معرفة ما يضمره لك صديقك فانظر إلى غلمانه فإن ذلك يظهر عليهم."
وهذا هو الذي فهمه الجاحظ كما سنبين إن شاء الله.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[14 - 03 - 2011, 12:29 ص]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
يقولُ أبو تمَّامٍ: ليفتِّشِ المرءُ في حالِ غلمانِه، وليتفقَّدْ أخلاقَهم، فإنَّ صلاحَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى صلاحِ خُلُقِه، وفسادَ أخلاقِهم دَليلٌ علَى فسادِ خلُقِه. ونظيرُ هذا ما نقلَه أخونا صالحٌ عن الجاحظِ.
ليس نظيره يا أستاذنا أبا قصي، شتان ما هذا وذاك، فالأبيات التي نقلتها عن الجاحظ لا مدخل فيها لصلاح أخلاق الغلمان وفسادها، إنما هي في معرفة دخيلة الرجل بما يظهر على غلمانه، فانظر إلى البيت الأول منها:
اعرف مكانك من أخيـ ** ــك ومن صديقك بالحشم
هل ترى فيه ذكرا لصلاح أخلاق الغلمان وفسادها! ليس فيه غير المعنى الذي ذكرنا، وهو معرفة دخيلة الرجل بما يظهر على غلمانه، والجاحظ استشهد ببيتي أبي تمام مع هذه الأبيات، فدل هذا أن معناهما كمعنى هذه الأبيات. وقال الآخر:
إن وجه الغلام يخبر عما ** في ضمير المولى من الكتمان
فإذا ما جهلت ود صديق ** فامتحن ما أردت بالغلمان
وهذا كالذي قبله، وحاصله أنك تعرف ود صديقك وما يضمره لك من وجه غلامه، ولا ذكر لأخلاق الغلمان هنا.
ثم قول أبي تمام في عجز البيت، يؤيد المعنى الذي ذكرنا، لأنه جعل الغلمان خلائف الرجل على أخلاقه، كأنهم خلفوه عليها، ومعناه أنهم تخلقوا بأخلاقه وظهرت عليهم، وهذا يوافق المعنى الذي ذكرنا، يقول: هؤلاء الغلمان قد وافقوا سيدهم فيما يضمره لك فأضمروا لك مثله، فاعرف ضميره بما يظهر من أعين هؤلاء وأوجههم، وهذا معنى ظاهر.
فلا يصح مع هذا أن يُضبط البيت كما ضبطه الأستاذ أبو قصي.
والله أعلم
¥