ملتقي اهل اللغه (صفحة 4943)

أراني لدن أن غاب قومي كأنما ** يراني فيهم طالب الحق أرنبا

ومن يغتربْ عن قومه لا يزل يرى ** مصارع مظلوم مجرًّا ومسحبا

أرى الناس هرّوني وشُهِّر مدخلي ** وفي كل ممشى أرصد الناس عقربا

ورب بقيع لو هتفتُ بجوّه ** أتاني كريم يُنغِض الرأس مغضبا

هذه نفثة نعود عنها إلى مرادنا، قلت في بعض ما قلت قديما -وهي رسالة أرسلتها إلى بعض إخواني بالهاتف الجوال-:

إليكَ تحياتٍ بعثتُ بها سِرّا ** وما إن أُبالي لو صدعتُ بها جَهرا

فدونكها من حَبّة القلب إنني ** أُحبكَ صدقا لا خداعا ولا مكرا

عرفتُكَ لم أعهَد عليك نقيصةً ** ولا شيمةً تُزري ولا خُلُقًا وَعْرا

ولم يَكُ هذا الحُبُّ إلا ديانةً ** فما أَبتغي زيدا بذاك ولا عَمْرا

ومما قلته قديما:

إذا أُردتُ بضيم كان من شيمي ** أنِّي نَدودٌ فلا أبقى بِواديهِ

ندود: أي شرود، قال ذو الإصبع:

عفٌّ ندودٌ إذا ما خفت من بلد ** هونا فلست بوقاف على الهُونِ

قد يُكرم المرء في الأَقتال منتبذا ** فيهم وقد كان مجفوًّا بناديهِ

الأقتال هنا: الأعداء.

ولست أصرِم خِلا عند بادرة ** لكن إذا لجّ خلي في تماديهِ

أُبقي عليه زمانا ثم أصرمه ** إذا عَدَته عن البُقيا عواديهِ

ومن ذلك أنني اشتركت في مسابقة المساجلة الشعرية أيام دراستي بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وهذه المساجلة قبل نحو من ثمان سنين، فاتخذت حيلة أرهقت بها الإخوة المشاركين، وذلك أنني كلما ورد علي بيت رددتُ ببيت رويُّه الثاء، فيأتيني البيت آخره الميم -مثالا- فآتي ببيت أوله ميم وآخره ثاء، ويلزمهم أن يأتوا ببيت يبدأ بالثاء، وجعلت ذلك ديداني، حتى بعِلوا بذلك وانقطعت حيلتهم، ووفقني الله تعالى ففزت بالمركز الأول.

ثم نظمت بعد هذه المساجلة قصيدة جعلت رويها الثاء، وقد نسيت بعض أبياتها، ومما أذكره منها:

ألا شدّ ماذا الشوق بالروح يعبثُ ** يجدّد آهات الحزين ويبعثُ

إذا ما طويتُ الصدر يوما على جوى ** فما تأتلي الأشواق تُبدي وتَنبثُ

لقد باخ وجدي بالنهى فانبرى له ** من الشوق مُذكٍ والحنينِ مؤرِّثُ

وما كنت ممن يستكين لنكبة ** ولكنها الأشواق تَفري وتفرثُ

لقد طال يومُ البين حتى كأنه ** مصفدة أطرافه فهو يَدلِثُ

فآليتُ إن زالت غواشيه وانجلت ** أليّةَ برٍّ صادق ليس يحنثُ

..... [بيت فيه إقواء]

أليس -وما أتممتُ عشرين حجة- ** زنادُ قصيدي قادحا ليس يغلثُ

أروض القوافي كيف ما شئتُ قادرا ** فصعب مبانيها إذا شئتُ يدمثُ

وهذان البيتان الأخيران من كذب الشعراء.

وبالله التوفيق

ـ[محمد داوود]ــــــــ[03 - 03 - 2012, 04:15 ص]ـ

الله، الله!

قدْ أصْمَيْتَ الْغَرَضَ، بصائبٍ صاردٍ، ليس بصائفٍ ولا عارضٍ:)

لا فضَ اللهُ فاكَ، وفتح عليك ربُنا وأعطاك، يا شاعرنا الحبيب صالح العمريّ.

زدنا من أشعارك ولا تحرمنا هذه الفنون.

إن شاء الله أدرسها فيما أدرس.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[03 - 03 - 2012, 05:16 ص]ـ

أستاذنا المجتهد المثابر/ أبا داوود

أطربني كلامكم، وسرني استحسانكم لما أكتب.

فلكم مني الشكر والدعاء بالتوفيق والسداد.

وما أثبته هنا من الشعر شيء نظمته قديم، ومعلوم أن المرء مع الأيام يزداد شعره صلابة وقوة، وليس كل ما أثبته هنا مما أرتضيه كل الرضى، إنما أحببت أن أشارك به للغرض الذي أشرت إليه من قبل.

تسرني متابعتكم يا أبا داوود، ودمتم بخير حال.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[03 - 03 - 2012, 05:30 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

كان عندنا سِنَّور اسمه (رَعْد)، بقي عندنا بضع سنين، ثم دهسته سيارة ومات، فحزنت عليه ورثيته بأبيات، ومن خبره أنه كان شديد الحِلم، وكان عندنا سنور آخر صغير السن، فكان يؤذي رعدا، وهذا يقابل أذاه بحلم وصبر عجيب لا تجده في كثير من الرجال، فأشرت إلى حلمه في هذه الأبيات.

يا رَعْدُ إن الرُّزء في فقديكَ قد أَلوَى بصَبري

إني إخالُكَ لن تزالَ من المُحبِّ مَحَلَّ ذُكرِ

عَمْري لقد أودَيتَ غيرَ مُذمَّمٍ بقبيح ذِكرِ

يا رُبَّ سِنَّورٍ كثيرِ الشر والإيذاء غُمْرِ

دافعتَه بالحِلم حتى كَفَّ عن نَزَقٍ وكِبْرِ

إني أقول مُودِّعا والموتُ راحةُ كلِّ هِرِّ

إذ ليس يُجزى بالذي قد كان من خير وشرِّ

إن كنتُ لم أُسبِل لفقدكَ عَبرةً في الخَدِّ تَجري

فلقد رثيتُ بما رأيتُ وذاك عند الناس عُذري

ـ[عائشة]ــــــــ[03 - 03 - 2012, 06:55 ص]ـ

الأستاذ الشَّاعر / صالح العَمْري

لقد أمتعتَ نفوسَنا بهذه الأشعارِ الرَّائقة، فجزاك الله خيرًا، وزادكَ من فضلِهِ.

وقد عجبتُ -حقًّا- حينَ جئتَنا بقصيدةِ رثاءٍ لسنَّوْرٍ فقدتَّهُ، ولا أدري: هَلْ جاءَتْ أبياتُكَ هذه تسليةً لي؟! لأنِّي فقدتُّ أمسِ سِنَّوْري الَّذي ربَّيتُهُ، ونشأَتْ بيننا صحبةٌ قرابة أربعة أشهُر، ثُمَّ في لحظةِ غفلةٍ منِّي أُخِذَ في صندوقٍ، ورُمِيَ به خارجَ المنزلِ؛ لتأذِّي بعضِ أفرادِ أُسرتي من إزعاجِهِ بالمُواءِ، وغيرِ ذلك (!). فحزنتُ كثيرًا لفراقِهِ، وما زلتُ أبكي إلى هذه اللَّحظةِ! غيرَ أنِّي أسألُ اللهَ -عزَّ وجلَّ- أن يردَّهُ إليَّ.

(نَمُّورُ) إن الرُّزء في فقديكَ قد أَلوَى بصَبري

إني إخالُكَ لن تزالَ من المُحبِّ مَحَلَّ ذُكرِ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015