ملتقي اهل اللغه (صفحة 4737)

قال العلم: إذا لم يجعلني العلم منصفاً عادلاً فلا خير فيّ، فالإنصافُ دليلٌ على العقل والفضل، وقد أغلظ رجل على المهلب فحلم عنه، فقيل له: جهل عليك وتحلم عنه؟ فقال: (لم أعرف مساوئه، فكرهتُ أن أبهته بما ليس فيه)! فأين من ينصف مثل هذا؟

ودعني أهمس في أذنك ما ينفعك في خطابك:

إنَّ الحماسةَ الزائدَةَ للفكرة وإعطاءَها أكبر من حجمها يسيء إليها، وقد يؤدي هذا إلى عدم قبول الناس لها وتحفظهم منها، قال أحدهم: (حين تصرخ في أذني لا أسمعك جيداً). ثم إن من يرد على فكرة متطرِّفة لا تخلو من ردة الفعل، عليه: أن يحفظ توازنه ويبتعد عن المبالغة والتهويل، حتى لا يكون رده أيضاً عبارة عن ردة فعل ولكنها في الاتجاه الآخر.

وعوداً على حوارنا أقول: إنَّ العلم يستفاد منه لغذاء الروح، والمال لغذاء الجسد، وأيهما أشرف الروح أم الجسد؟

يَا خَادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ ... أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ فِيمَا فِيهِ خُسْرَانُ؟

أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لاَ بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ

قال فتح الموصلي رحمه الله: أليس المريض إذا مُنع الطعام والشراب والدواء يموت؟ قالوا: بلى، قال: كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت.

فإنَّ غذاءَ القلب: العلمُ والحكمةُ وبهما حياته، كما أنَّ غذاء الجسد الطعام، ومن فقد العلم فقلبه مريضٌ وموته لازم ولكنه لا يشعر به.

وفي وصايا لقمان لابنه قال: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء.

قال المال: لا شك بأنَّ الرُّوح أشرف من الجسد، لكن الجسد هو المجال والطريق لتحقيق مطالب الروح وأشواقها.

أم أنك تريد أن تكون كذلك المعذَّب الذي يقول:

جسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكمُ ... فالجسمُ في غربةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ

فليعجبِ الناسَ مني أنَّ لي بدناً ... لا روحَ فيه، ولي روحٌ بلا بَدَنِ

ألم يجعل الله العبادات مزيجاً من الرُّوح والعقل والجسد، فالذي يصلي مثلاً: يتوجه بروحه إلى خالقه الذي يناجيه، وبعقله فيتدبَّر ما يقرأه من القرآن والذِّكْر، وبجسمه فيقف ويركع ويسجد؛ وهكذا تعلِّمنا الصلاة أن لا نفصل بين الروح والجسد.

قال العلم: ألم تسمع إلى من قال: (حبيب المال لا حبيبَ له , وعدو ماله لا عدوَّ له)، ومن قال: (مَنْ أذلَّ ماله فقد أعزَّ نفسه، ومَنْ أعزَّ ماله فقد أذلَّ نفسه)؟

وقال الحسن البصري: (بئس الرفيقان: الدرهم والدينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك).

فما فضيلةُ شيءٍ مَنْ أحبَّه لم يحبه الناس؟ ومَنْ أعزه أذل نفسه؟ ولا سبيل إلا بمعاداته وإذلاله حتى يعز نفسه ويحبه الناس! ولا سبيل إلى نفعه إلا بمفارقته؟

وقد لام أحدهم أفلاطون على الزهد في المال فقال: كيف أرغب فيما ينال بالبخت لا بالاستحقاق، ويأمر البخل والشره بحفظه، والجود والزهد بإتلافه.

فأي فضيلة في هذا؟

قال المال: دعك من هذه الفلسفة وانظر في واقع الناس، فواقعهم يجيبك ويرد على هذا الكلام.

قال العلم: ما أراك إلا قد عجزتَ عن الجواب فأحلتني على واقع الناس.

قال المال: كلا، فإنَّ الواقع يثبت ما قاله الشاعر:

يُغَطَّى بالسَّمَاحَةِ كُلُّ عَيْبٍ ... وَكَمْ عَيْبٍ يُغَطِّيهِ السَّخَاءُ

ألم تر أن كثيراً من الحكَّام يدركون هذه الحكمة ويطبقونها، فهم يعلمون أنَّ عيوبهم كثيرة ولا يمكن أن تُغَطَّى هذه العيوب بشيء كما تُغَطَّى بالسخاء فهم يجودون على أتباعهم ابتداءً، وعلى مَنْ يمكن له أن يكون بالسخاء من أتباعهم، فيصير المعارض لهم موافقاً لهم بل ومدافعاً عنهم، أما سمعتَ بسياسة العصا والجزرة؟

قال العلم: من يُشترى بالمال قد يتظاهر أمام من اشتراه بمحبته وولائه له، فإذا ذهب عن سيِّده المال أو المنصب فقد يكون أول مَنْ ينقلب عليه، أمَّا مَنْ أحبه الناس لفضله وشرفه وصدقه وسلامة قلبه فيجتمع الناس عليه ولو لم يكن ذا منصب، ألا ترى الناسَ يحبون العلماء الصادقين أكثر من حبِّهم للسلاطين.

قال المال: لكن الناس يجلون ويحترمون من يملك الأموال الكثيرة، ويبررون أخطاءه ويجعلون سيئاته حسنات، إن سكت فهو العاقل الحكيم، وإن تكلم فهو البليغ ذو الحجة والبرهان مما جعل أبو الفتح البستي يقول:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015