ملتقي اهل اللغه (صفحة 4736)

قال العلم: نعم إنَّ حبِّ المالِ أمرٌ فطري جبلي، وهو مِنْ نِعَم الله العظيمة لا يلام المرء في حبِّه له، ولكنْ أنْ يُجعلَ هو الميزان لفضل الإنسان، ويُقَاسُ فضل الناس بما يملكون، ويكون هو الغاية التي يسعى الناس إليها وليس وسيلةً لفعل الخير، فهنا يكون الخلل ويأتي الزيغ والزلل ..

فالمال نعمة عظيمة ولكن مَنْ يعرف حقَّ هذه النعمة ويؤدي شكرها؟ لا ريب أنهم قليلٌ جداً، فأين الأغنياء من قول القائل:

ملأتُ يدي من الدُّنيا مراراً ... فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقتصادي

ولا وجبَتْ عليّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزكاةُ على جوادِ

بذرتُ المالَ في أرض العطايا ... فأصبحَتِ المكارمُ من حصادي

ولو نلتُ الذي يهواه قلبي ... لوسَّعتُ المعاشَ على العبادِ

فإننا لا نرى أصحابَ الأموال إلا مشغولين بمتعهم ولذائذهم وترفهم، وينسون إخوانهم المحتاجين، بل قد يتكبرون ويطغون عليهم، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}، والمصيبة الأعظم من ذلك أن لا يطغى على إخوانه فقط بل على ربِّه وخالقه جلَّ وعلا، فينسى أنَّ الله هو الذي أعطاه هذا المال ويقول: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}، وينسى أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعاً، وانظر إلى صاحب الجنتين كيف أصابه الغرور فدخل جنته وهو ظالم لنفسه وقال: {ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً} لقد أنساه الغرورُ بماله أنَّ كلَّ نعيم في الدنيا فهو إلى زوال، واستبعد أنْ تقوم القيامة، وعلى فرض أنها قامت فإنَّ له خيراً من جنته .. أرأيتَ ماذا يصنع المال بصاحبه؟

فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر، فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه: {قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا؟ لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}، فهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تُستعبد للمال ولا يطغيها الغنى، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيزٌ أمام الجاه والمال، وأنَّ ما عند الله خيرٌ من أعراض الدنيا، وأنَّ فضل الله عظيم وهو يطمع في فضله وثوابه، وأن نقمة الله يوشك أن تصيب الغافلين المتبطرين.

فذُو المال يكون ممدوحاً إذا استعمله فيما يرضي الله عز وجل، وصان به دينَهُ وعِرْضَهُ، وليس في التباهي والتكاثر والتفاخر، قال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان الأكرمَيْن: الدِّين والعِرْض. وقيل في منثور الحكم: من استغنى كَرُمَ على أهله. وقيلَ لأبِي الزِّنَادِ: لِمَ تُحِبُّ الدَّرَاهِمَ وَهِيَ تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: «إِنَّها وَإِنْ أَدْنَتْنِي منها صَانَتْنِي عَنْهَا».

وقال سعيد بن المسيب: «لا خَيرَ فِيمَنْ لا يُحِبُّ المالَ لِيَصِلَ بِهِ رَحِمَهُ، ويُؤَدِّي به أمانتَهُ، ويَستَغني به عن خَلْقِ رَبِّهِ»، ولما حضره الموت ترك دنانيراً وقال: «اللهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أنِّي لَمْ أَجمعها إلَّا لأصُونَ بها حَسَبِي ودِينِي».

وقال سفيان الثوري مرةً لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا عنك فإنه لولا هذه لتمندلَ الناس بنا تمندلاً. وقال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن.

وقال سفيان بن عيينةَ: من كان له مال فليُصْلحه، فإنكم في زمانٍ من احتاج فيه إلى الناس، فإن أول ما يبذله دِينه.

وفي وصية لقمان لابنه: «يا بني استعن بالكسب على الفقر، فما افتقر رجل إلا أصابته ثلاث خصال: رقَّة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب في مروءته، وأعظم من هذا استخفاف الناس به».

وقال يحيى المسيحي:

نعمَ المعينُ على المروءةِ للفتى ... مالٌ يصونُ عن التبذلِ نفسَهُ

لا شيءَ أنفعُ للفتى من مالهِ ... يقضي حوائجَه ويجلبُ أنسَهُ

وإِذا رمتهُ يد الزمانِ بسهمهِ ... غدتِ الدراهمُ دون ذلكَ تِرْسَهُ

قال المال: وأخيراً وافقتني في كلامي، إنَّ إنصافَك في موافقتك لي أحبُّ لي من كلِّ حُجَجك وأدلتك، فما أجملَ الإنصاف وما أقلَّه!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015