وكان بعض السلف يقول: «احذروا دار الدنيا، فإنَّها أسحر من هاروت وماروت، فإنَّهما يفرِّقان بين المرء وزوجه، والدنيا تفرِّق بين العبد وربِّه».
قال المال: ألم تر أن الله عز وجل قد جعلني زينة الحياة إذ قال: {المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
قال العلم: لكن ألم تقرأ بقية الآية: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابَاً وَخَيْرٌ أَمَلاً}، ثم إنه قال عن المال: {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فهو زينة وليس (قيمة).
وقد رغَّب الله عز وجل في الازدياد من العلم فقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً} أما عن المال فقد قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ}، وقال: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ}.
قال المال: إذا كان الأمر كما تقول، فلماذا إذن امتنَّ الله تعالى على نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}، وامتنَّ على قومه بتوفيقهم للتجارة الواسعة برحلة الشتاء والصيف، وامتنَّ الله به على عباده إذ قال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا}، وقال ممتناً على بني إسرائيل: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}، فلو لم تكن الأموالُ خيراً ونعمة عظيمة لما امتنَّ الله بها على عباده.
وجعلَ اللهُ تعالى استخراجَ الكنز للغلامين رحمةً منه سبحانه فقال: {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}، وقال نوح لقومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله والرجوع إليه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارَاً}، وبيَّن عاقبةَ ذلك في الدنيا قبل الآخرة فقال: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
ونبيُّ الله سليمان عليه الصلاة والسلام دعا ربَّه فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكَاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}، ولم يلمه ربه على ذلك بل استجاب له وكان له ما أراد، {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}.
فليس الزُّهد فَقْد المال وإنما الزُّهد: فراغ القلب منه، فقد كان سليمان عليه السلام في ملكه من الزاهدين.
ومن هنا قال الإمام ابن القيم: «فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر، ومتى كان في قلبك ضرَّك ولو لم يكن في يدك منه شيء».
وقد وَعَدَ الله سبحانه بالرِّزق الوفير لمن آمن واتقى فقال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}، وقال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) متفق عليه.
وفي مقابل ذلك جعلَ اللهُ تعالى المنع والحرمانَ عاقبة لمن ظلم نفسَه، فقال: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدَاً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
وقال عليه الصلاة والسلام: (لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهوَ غَضْبَانُ) متفق عليه، وقد قاس عليها الفقهاء: لا يقضي القاضي وهو جوعان، أو عطشان؛ لأنها انفعالاتٌ تؤثِّر على حُكْمه.
قال أحدهم:
إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ صفاؤُهُ ... وضاقتْ عليه أرضُهُ وسماؤُهُ
وأصبحَ لا يدري وإنْ كانَ حَازماً ... أقُدَّامه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُهُ
وقال آخر: إنَّ النفس إذا أحرزت قوتها ورزقها اطمأنت.
وكان يقال: لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها ولا جائعاً.
¥