ملتقي اهل اللغه (صفحة 4682)

روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر, وكانا يأتيان بشاراً فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوماً فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم بلغني أن سَلْمَ بنَ قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فأنشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما:

بَكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ*****إنَّ ذاكَ النجاحَ في التبكيرِ

حتى فرغ منها، فقال له خلفٌ: لو قلتَ يا أبا معاذ مكانَ (إنَّ ذاك النجاحَ في التبكيرِ):

بَكِّرا فالنَّجاحُ في التبكيرِ

كان أحسن, فقال بشارٌ: إنما بنيتُها أعرابيَّةً وحشيَّةً، فقلتُ: إنَّ ذاك النجاحَ في التبكيرِ، كما يقولُ الأعرابُ البدويُّون. ولو قلت: (بكِّرا فالنَّجاح) كان هذا من كلام المولِّدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبَّلَ بشاراً بين عينيه. اهـ

قلتُ: لو كان خلفٌ هو الذي وضعَ اللاميَّةَ لوجدنا فيها ألفاظ المولِّدين كما رأينا في الخبر السابق, فلا يُعقل أنَّ يقولَ خلف ثمانٍ وستين بيتًا ولا نجد لفظًا من ألفاظ المولدين!!

ثالثًا: في صلة ذيل الأمالي قال القالي (356هـ):

وأنشدنا جحظة قال أنشدني أبو عبد الله بن حمدون عن الزبير رحمه الله: .... (ثم ذكر أبياتًا) , ثم قال:

وأنشدني لأعرابي يكنى بأبي الخيْهَفْعي: .... (وذكر أبياتًا) , ثم قال:

وقال: قال الشنفرى: ثم ذكر اللامية.

فقول القالي: قال: قال الشنفرى, إمَّا أن يكون القائل هو الزبير-بن بكار (ت256هـ) - تبعًا للإسناد الأول-وهذا بعيد- وإما أن يكون القائل جحظةالبرمكي (ت324هـ) -وهو الأقرب- فهذه رواية جحظة تُثبت القصيدة للشنفرى, وأثبتَها القالي, ولو كان جازمًا أنها من وضع خلف كما أخبره شيخه ابن دريد لبيَّن هذا.

رابعًا: أنَّ الأصمعيَّ لم يذكر أن خلفًا وضعَ لامية العرب ونسبها للشنفرى, بل إنَّ المُحتجين يقولون أنَّ اللامية لم يذكرها علماء الطبقة الأولى كأبي عمرو بن العلاء ولا علماء الطبقة الثانية كالأصمعي (ت216هـ) , ولقد وجدتُّ خبرًا طريفًا يشهد بأن الأصمعي كان على علم بها, جاء في (نور القبس لليغموري [ت673هـ] المختصر من منتخب المقتبس (1) لبشير بن حامد التبريزي [ت646هـ] (2) ص134:

وقال الأصمعي: كنتُ بين يدي الرشيد في يوم قُرٍّ، إذ دخل سعيد بن سلم، فقال: ياسعيد، أنشدني في البرد! فأنشده لمُرَّة بن محكان السعدي:

وليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنديةٍ****لايُبْصِرُ الكلبُ من ظلمائهَا الطُّنُبَا

لايَنبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ****حتى يَلُفَّ على خيشومه الذَّنَبَا

فقال: غير هذا. فأنشدتُّه أنا:

وليلةٍ يصطلي بالفَرْثِ جَازِرُها****يختصُّ بالنَّقَرى المُثرينَ داعِيهَا

لاينبحُ الكلبُ فيها غير واحدة****حتى الصَّباحِ ولاتسري أفاعِيها

أطعمتُ فيها على جَهْدٍ ومسغبةٍ****كَوْمَ العِشارِ إذا لم يَمْسِ راعِيها

فقال: أريدُ أبلغ من هذا. فأنشدتُّه:

وليلةِ قُرٍّ يصطلي القوسَ رَبُّها*****وأَقْدُحَه اللاتي بها يَتَنَبَّلُ

فقال: يا أصمعي، حسبُك ما بعدَ هذا شيء. اهـ

وماذكرتُه غيضٌ من فيضٍ لكنَّ المقام لا يتسعُ لهذا, كما أنَّ هناك شُغُولاً تصرفني عن تقصي كثيرًا من الأدلة, وحسبُك من القلادةِ ما أحاطَ بالعُنُق.

والله أعلم.

ــــــــــــــ

(1) بتحقيق: رودلف زلهايم, 1964م

(2) انتخبه التبريزي من المقتبس للمرزباني (ت384هـ) , وكتاب المقتبس مفقود. وروى اليغموري عن شيخه التبريزي قال: سمعت مشيختنا يقولون: لا يوجد من هذا الكتاب نسخة سوى الأصل الذي هو بخط المصنف، وهو ثمانية عشر مجلدا في وقف الوزير نظام الملك في مدرسته بمدينتة السلام حماها الله.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[17 - 05 - 2012, 05:42 ص]ـ

لكنْ مِن طَريفِ ما مرَّ عليَّ أنَّ بعضَهم (اعتَنَى!) بمجموعٍ مِن المنظوماتِ العلميَّةِ والقصائدِ الأدبيَّةِ فعَمِلَ على نَشرِها مجموعةً بين دفَّتَي مجلَّدٍ ضخمٍ، ثمَّ أوردَ فيما أوردَ (لاميَّةَ الأفعالِ) لابنِ مالكٍ، ونَسبَها لِلشَّنفرَى!!

أين وجه الطرافة يا أبا إبراهيم عفا الله عنك؟ ألا يجوز أن تكون لامية الأفعال للشنفرى أم تريد أن تنزعها منه كما نزعوا منه لامية العرب؟ ألم تسمع قوله:

بفعلل الفعل ذو التجريد أو فعُلا * يأتي ومكسور عين أو على فعَلا

فالضم من فعُل الزم في المضارع وافتح موضع الكسر في المبني من فعِلا

ألا ترى في هذا الشعر نفَس الشاعر الجاهلي وروحَه؟! عفا الله عنك يا أبا إبراهيم.

أما أنا فلا أرتاب أن هذه القصيدة للشنفرى، وأنا أرى فيها وَسْمَ الشنفرى، كما رأى بعضهم وسم حسان رضي الله عنه في قصيدة يقول فيها ناظمها:

أنسيم ريقك أخت آل العنبر * هذا أم استنشاقة من عنبر

فانهي جمالك أن يصيب مقاتلي * فتصيب قومك سطوة من معشري

إلى آخر ما قال.

وزعم الرجل في أحد المنتديات -وقد ناقشته في زعمه- أن هذه القصيدة فيها نَفَسُ حسان في الشعر.

فهلا يُلام رجل اشتد عليه ما يلقى من مزاعم هؤلاء فبكى بكاء الثكلى، وخنَّ حتى سُمع لصدره أزيز كأزيز المرجل؟!

فلا تكثر يا أبا إبراهيم على صاحبك، فليست نسبة لامية الأفعال إلى الشنفرى بأعجب من نسبة هذه القصيدة إلى حسان عند الرجل العاقل.

والعجيب أن بعضهم ذكر أن ابن معصوم جزم بأنها لحسان، وأنه اطلع عليها في ديوانه، ووصفها بأنها من خير شعر حسان، فإذا كان هذا قول من يظنه الناس عالما فكيف بمن هو دونه.

وأنا أقول: الذي يصدق أن هذه لحسان رضي الله عنه كالذي يصدق أن لامية الأفعال للشنفرى، لا فرق بينهما.

فلله درُّ زمان كان الرجل فيه يعرف من كلمتين في البيت أن الشعر مصنوع، أو يعرف أنه لجاهلي أو لأموي، فاليوم على الدنيا العفاء.

وأعيذكم بالله أن يظن ظان أنني أعرِّض بأستاذنا العالم المحقق/ فيصل المنصور، فهو من أعلم من رأيت بالشعر، إنما أردت ما صار إليه أكثر الناس.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015