ملتقي اهل اللغه (صفحة 4680)

ومعلوم أن العلماء والرواة لا يُقدح في صدقهم وضبطهم بالرأي والهوى، وإنما ينظر إلى أقوال العلماء فيهم، وأولى من يؤخذ كلامه فيهم من كان معاصرا لهم من العلماء، فلننظر إلى كلام بعض العلماء عن خلف الأحمر في صدقه خاصة، ليس في علمه وسعة روايته.

بل أبعد من ذلك أنهم ذكروا صدقه في رواية الشعر خاصة، فكأنهم في ذاك الزمن الأول كانوا يعلمون أنه سيأتي أناس يتهمونه بوضع الأشعار.

بل ذكر ابن سلام في القول الذي سننقله عنه أن أصحابه قد اجتمعوا على أن خلفا كان أصدق الناس لسانا، فكيف يُطعن في صدقه بعد هذا؟!

إذا كنا نأخذ قول العالم الواحد في فلان أنه صدوق، فكيف نرد إجماع هؤلاء العلماء على أن خلفا كان أصدق الناس لسانا؟!

فكلام ابن سلام فيه أمران:

1 - أنه إجماع ناس كثير من العلماء وليس قولا لعالم واحد.

2 - أنه إجماع على كونه أصدق الناس لسانا لا على صدقه فحسب، ومعلوم أنه لا يوصف بمثل هذا إلا من كان بعيدا كل البعد عن الكذب، أما (صدوق) فقد يوصف بها من هو دون هذه المنزلة.

وردة1فوصفهم له وهم معاصرون له عارفون به بأنه أصدق الناس وإجماعهم على هذا دليل على علو درجته في الصدق وبعده كل البعد عن الكذب والتدليس، وبعض هؤلاء العلماء كان شديد التحري في رواية الشعر وصحب خلفا صحبة طويلة كابن سلام.

فكيف نترك كلام هؤلاء المتقدمين ونأخذ كلام المتأخرين كابن دريد؟! وإذا كان ابن دريد بصريا كما ذكر أبو قصي فابن سلام بصري أيضا، وقد صحب خلفا زمانا طويلا كما ذكر الشيخ أبو فهر، أما ابن دريد فقد ولد بعد وفاة خلف بنحو خمسين سنة!

قال ابن سلام في (طبقات فحول الشعراء) -وهو ناقد بصير يتحرى الصدق، ويتنخل الأشعار كما قال عنه أبو فهر-:

"اجتمع أصحابنا على أن خلفا كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقهم لسانا، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا، أو أنشدَنا شعرا، أن لا نسمعه من صاحبه"

فلعمري إن الجور على خلف بعد هذا لمن أظلم الظلم.

إذا كنا نأخذ روايات كثير من العلماء ممن لم يوصفوا بهذا الوصف في الصدق، فكيف نترك رواية خلف مع قول ابن سلام عنه: "كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا، أو أنشدنا شعرا، أن لا نسمعه من صاحبه" فهذه مِن أعلى المراتب في الصدق، أن لا تبالي بعد سماعك الشعر منه أن لا تسمعه من صاحبه.

ووالله لكأن ابن سلام يرد بهذه العبارة ردا صريحا على من جعلوا بعد ذلك ينسبون إليه اختلاق الأشعار وإنشاءها ثم نَحْلَها المتقدمين.

وللحديث بقية إن شاء الله

أحسن اللهُ إليك أخي صالحًا العمري فقد كفيتَ وشفيتَ, والدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه (مصادر الشعر الجاهلي) قد ذكر المطاعن التي وُجِّهتْ إلى خلفٍ الأحمر وردَّها بأسلوبٍ علميٍّ رصينٍ.

وقد وقفتُ قبل زمنٍ على خبرٍ كانَ بين خلفٍ الأحمر والأصمعيِّ -على ما أظنُّ- يُبيِّن صدقَ خلفٍ وثبوتَ القصيدةِ للشنفرى, لكنني أُنسِيتُ موضع هذا الخبر فلعلي أبحثُ عن موضعِهِ وآتيكم به إن شاء الله.

ـ[جبران سحّاري]ــــــــ[10 - 05 - 2012, 07:41 م]ـ

ثبوت القصيدة للشنفرى أشبه المتواتر

فالتشكيك في ذلك جولانٌ خلف الحلبة في نظري.

وكما طعنوا في خلف الأحمر الإمام الثقة (ت:180هـ) كذلك قد طعنوا في حمّاد الراوية (ت:155هـ) وزعموا أنه صنع بعض المعلقات!.

وكم طُعِن في أئمة العربية ورواة الأدب بلا حجةٍ ولا دليل، سوى تعليلٍ عليل أشبه صنع المستشرقين!

ولا يخلو زمانٌ من حُسّادٍ يقفون في طريق الناجحين، والله يتولى الصالحين.

ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[11 - 05 - 2012, 06:40 م]ـ

شكر الله لك يا أبا حيَّان.

قد قرأتُ الكتابَين اللذينِ ذكرتَ، كتابَ ابن سلامٍ، وكتابَ أبي فهْر. وكتبتُ ما كتبتُ عالِمًا بما نقلتَه عنهما، وبما شجَر من خلافٍ في صدقِ خلَفٍ، وتوثيقِه.

وقد ذكرتَ كلامًا مصيبًا، وهو أنَّ الرواة، والعلماء لا يُقدَح في صدقهم، وضبطهم بالرأي، والهوَى، وأنا أقول: نعم. ولا يصِحُّ أن يُحكَم عليهم من خلالِ رِوايةٍ واحدةٍ، أو أكثرَ يجُوزُ أن تكونَ كذبًا، أو وهمًا، أو قائِمةً على سَبْر غيرِ نافذٍ، أو استقرَاءٍ غيرِ مستوعِبٍ، أو تكون جاريةً مجرَى التغليبِ، ونحوَ ذلك، وإنما ينبغِي أن يُجمَع بينَ الرِّوايات، ثمَّ يُرَدَّ مجملها إلى مفصَّلها، وملتبِسها إلى مبيَّنِها، وعامُّها إلى خاصِّها، ويُزايلَ بين صحيحِها، وضعيفِها، ومأمونِها، ومتَّهَمها، ثم تستخلَص منها بعد ذلك حقيقةُ حالِ الرجلِ على وَفق ما توجبه أصول النظَر، والتمحيص.

وقد قِيلَ في خلَفٍ كلامٌ كثيرٌ من أنصارِه، وخصومِه، ظاهِرُه يوجِب التدافعَ، والتضادَّ، ولكنَّك إذا صَرَفتَ إليه أزِمَّة فِكرِك، وضممتَ عليه شَتاتَ نظرِك، علِمتَ أنَّ لعامَّة ما قالُوه فيه أصلاً يرجِعُ إليه، وآصِرةً تعطِفُ بعضَه على بعضٍ. فلعلَّ الأستاذ صالحًا ينشَط لبحثِه، والتأليفِ بينَه، إذْ كان قد ابتدأ القولَ فيه، سواء كانَ موافِقًا لي في ذلك، أم مخالفًا. وأمَّا رأيي، فليس هو كما قد توهَّمَه الإخوةُ الكرامُ. وأرجو أن يُتاحَ لي بسطه في قابِل الأيام.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015